اضطراب الأجواء العالمية .. الأزمات الجيوسياسية تعصف بقطاع الطيران

حلم جميل كان ينتظر قطاع الطيران في عام 2026، فبعد سنوات من الاضطراب الذي خلفته جائحة كورونا، بدأت المؤشرات أخيرًا تشير إلى عودة قوية للقطاع، إلا أن القطاع سرعان ما استفاق على واقع مؤلم مع بدء الضربات العسكرية التي شنتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران.

وكانت التوقعات تشير إلى أن 2026 سيكون عامًا لانتعاش الطلب على السفر وارتفاع حركة السياحة الدولية، وأن عدد المسافرين عالميًا سيتجاوز مستويات ما قبل الجائحة لأول مرة مسجلًا نحو 5 مليارات شخص، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا).
لكن التحركات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط تسببت في اندلاع موجة جديدة من التوترات الجيوسياسية أعادت المخاطر التي تهدد الأجواء العالمية، وعلى رأسها ارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ، وزيادة تكاليف وقود الطائرات.
في وقت شهدت فيه بعض المجالات الجوية اضطرابات وإغلاقات جزئية، ما أجبر شركات الطيران على تغيير مسارات الرحلات أو تقليص جداولها التشغيلية.
وانعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق المال، فوفقًا لتقرير نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز، فقدت أكبر 20 شركة طيران مدرجة في العالم نحو 53 مليار دولار أمريكي من قيمتها السوقية بعد تصاعد الصراع، وهو ما يمثل أشد اضطراب يشهده القطاع منذ جائحة كورونا.
ليجد قطاع الطيران نفسه مرة أخرى في قلب عاصفة جيوسياسية تعيد التذكير بمدى هشاشة هذا القطاع أمام الأزمات الدولية.
صدمة الوقود وضغوط التكاليف
غالبًا ما يظهر التأثير الأول للأزمات الجيوسياسية على شركات الطيران في شكل ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود، فصناعة الطيران شديدة الحساسية لصدمات الطاقة لأن وقود الطائرات يمثل أحد أكبر بنود التكلفة في هذا القطاع.
ووفقًا لبيانات إياتا، يشكل وقود الطائرات عادة نحو 30% من إجمالي تكاليف التشغيل لشركات الطيران، ما يجعله أكبر بند تكلفة وأكثرها تقلبًا.
وحتى الزيادات المحدودة في أسعار الوقود يمكنها أن تؤثر بشدة في أرباح شركات الطيران، نظرًا لأن القطاع يعمل بهوامش ربح ضيقة نسبيًا.
ففي عام 2024، أنفقت شركات الطيران عالميًا نحو 291 مليار دولار أمريكي على الوقود، وهو ما يمثل حوالي 31% من إجمالي تكاليف التشغيل وفق تقديرات إياتا.
وتسبب الصراع الحالي في الشرق الأوسط بالفعل في إحداث هذه الصدمة حيث ارتفعت أسعار وقود الطائرات بشكل ملحوظ بعد تصاعد التوترات حول مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

وتشير تقارير إلى أن سعر وقود الطائرات في بعض الأسواق ارتفع إلى نحو 3.93 دولار أمريكي للجالون، مقارنة بحوالي 2.50 دولار للجالون قبل اندلاع الأزمة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف التشغيل لشركات الطيران.
وبدأت عدة شركات طيران تعديل استراتيجياتها استجابة لذلك، فعلى سبيل المثال رفعت شركة إير نيوزيلاند أسعار التذاكر وعلّقت بعض توقعاتها المالية جراء هذا الارتفاع.
وفي الوقت نفسه أعلنت شركة يونايتد إيرلاينز خفض سعتها التشغيلية على بعض الخطوط الأقل ربحية، بما في ذلك تقليص نحو 5% من الرحلات المجدولة لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود.
وفي هذا الإطار أعرب “كارستن سبور”، الرئيس التنفيذي لشركة “لوفتهانزا”، عن مخاوفه من أن تؤدي زيادة الأسعار إلى التأثير سلباً على مستويات الطلب على المدى الطويل، مؤكدًا أن شركات الطيران لا تملك خيارًا سوى رفع أسعار التذاكر.
وأوضح “سبور” أن متوسط ربح الشركة يبلغ حوالي 10 يورو (11.5 دولار أمريكي) لكل مسافر، مؤكداً أنه لا يوجد سبيل لاستيعاب أي تكاليف إضافية في ظل هذه الهوامش المحدودة.
وفي إشارة إلى كيفية امتداد آثار هذه الاضطرابات لتلقي بظلالها على القطاع بأكمله، بدأت شركات الطيران في صياغة خطط طوارئ لمواجهة أي نقص محتمل في وقود الطائرات.
من جانبه، ذكر “بن سميث”، الرئيس التنفيذي لمجموعة “إير فرانس-كيه إل إم”، أن المجموعة تضع حالياً خططاً للتعامل مع أي تضييق في الإمدادات، وهو ما قد يشمل تقليص الخدمات والرحلات المتجهة إلى مناطق معينة في آسيا.
وتبرز هذه التصريحات حجم التحديات اللوجستية التي تواجه الناقلات العالمية الكبرى في ظل الضغوط الراهنة على سلاسل التوريد.
اضطراب المجال الجوي وعدم اليقين التشغيلي
تتسبب الصراعات الجيوسياسية في تعطل البنية التحتية الفعلية للطيران، فإغلاق المجالات الجوية أو المطارات يجبر شركات الطيران على تغيير مسارات الرحلات أو إلغائها، ما يزيد بشكل كبير من تعقيد العمليات وتكاليفها.
وقد أدى الصراع الحالي في الشرق الأوسط بالفعل إلى مثل هذه الاضطرابات، فوفقًا لتقارير قطاع الطيران، أدى التصعيد الأخير لإلغاء أكثر من 21 ألف رحلة جوية عبر مناطق مختلفة متأثرة بالأزمة، في وقت تواجه فيه مراكز الطيران الرئيسية في الخليج ضغوطًا تشغيلية.

وتبرز أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لشبكة الطيران العالمية في هذا السياق، إذ تعتمد شركات الطيران في المنطقة مثل الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية على نموذج المحاور العالمية الذي يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا والأمريكتين.
وعندما تتعطل الأجواء في هذه المنطقة، تمتد التأثيرات إلى شبكة الرحلات العالمية بأكملها، حيث تضطر الطائرات إلى اتخاذ مسارات أطول تستهلك المزيد من الوقود وتزيد زمن الرحلات.
وقد حدثت اضطرابات مشابهة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، عندما اضطرت شركات الطيران الأوروبية إلى تجنب المجال الجوي الروسي في الرحلات المتجهة إلى آسيا.
وأدى ذلك إلى زيادة زمن الرحلات الطويلة عدة ساعات، وارتفاع استهلاك الوقود بشكل ملحوظ.
كما تتأثر عمليات الشحن الجوي أيضًا بهذه التطورات، فمع تعرض بعض طرق الشحن البحري لاضطرابات أمنية وتأخيرات، انتقل جزء من حركة البضائع إلى النقل الجوي، إلا أن الطاقة الاستيعابية للطائرات محدودة، ما أدى إلى اختناقات في بعض المطارات العالمية.
وفي بعض الحالات اضطرت شركات الشحن إلى تحويل الشحنات إلى مطارات بديلة بسبب امتلاء الطائرات بالكامل، وهو ما يوضح مدى سرعة تأثر سلاسل الإمداد العالمية بالأزمات الجيوسياسية.
وتكشف هذه الاضطرابات عن نقطة ضعف هيكلية في صناعة الطيران: فبخلاف العديد من القطاعات الأخرى، لا تستطيع شركات الطيران نقل بنيتها التحتية بسهولة.
الأسواق المالية وثقة المستثمرين
لا تقتصر آثار الأزمات الجيوسياسية على العمليات التشغيلية لشركات الطيران، بل تمتد أيضًا إلى الأسواق المالية، فأسهم شركات الطيران تُعد من أكثر الأسهم حساسية للتطورات السياسية.
فالمستثمرون يتوقعون عادة ارتفاع التكاليف وتراجع الطلب على السفر خلال فترات عدم الاستقرار.
ويظهر ذلك بوضوح في الأزمة الحالية، فخلال أسابيع قليلة من تصاعد الصراع، فإن انخفاض القيمة السوقية المجمعة لأكبر شركات الطيران العالميةيعكس مخاوف المستثمرين من ارتفاع أسعار الوقود واضطرابات التشغيل.

كما شهدت بعض الشركات انخفاضات حادة في أسعار أسهمها، فعلى سبيل المثال حذرت شركة ويز إير الأوروبية منخفضة التكلفة من أن الصراع قد يقلص أرباحها السنوية بنحو 50 مليون يورو (57.7 مليون دولار أمريكي)، ما أسهم في تراجع سهم الشركة بشكل ملحوظ.
ومع ذلك، تظهر صناعة الطيران قدرًا من الصمود مقارنة بالأزمات السابقة، فخلال جائحة كوفيد-19 في عام 2020 انهار الطلب العالمي على السفر بأكثر من 60%، ما دفع العديد من شركات الطيران إلى حافة الإفلاس.
أما الأزمة الجيوسياسية الحالية فقد تسببت حتى الآن في اضطرابات كبيرة، لكنها لم تؤدِ إلى انهيار كامل في الطلب، إذ لا تزال بعض شركات الطيران – خصوصًا في الولايات المتحدة – تسجل طلبًا قويًا على التذاكر رغم ارتفاع أسعار الوقود.
ومع ذلك يحذر المحللون من أن استمرار التوترات لفترة طويلة، خصوصًا إذا أدى إلى ارتفاع مستدام في أسعار النفط، قد يفضي في النهاية إلى تراجع الطلب على السفر وإبطاء تعافي القطاع.
ويعكس هذا التوازن بين الصمود والهشاشة طبيعة صناعة الطيران الحديثة؛ فالشركات طورت خلال السنوات الأخيرة أدوات أفضل لإدارة المخاطر، مثل التحوط ضد تقلبات أسعار الوقود وتنويع شبكات الرحلات.
ومع ذلك، يظل القطاع شديد الارتباط بعوامل يصعب التحكم فيها، مثل استقرار أسواق الطاقة والتوازنات الجيوسياسية العالمية.
وبالتالي ستحدد هذه العوامل قدرة شركات الطيران على التكيف مع تقلبات الوقود وتغيرات المجال الجوي وتحولات الطلب العالمي، وإذا كان القطاع سيواصل مسار التعافي، أم سيجد نفسه مرة أخرى في خضم عواصف السياسة الدولية.
المصادر: أرقام- صحيفة فاينانشيال تايمز- الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)- وكالة رويترز- وكالة أسوشيتد برس










