تعددية الأطراف – ما هي ولماذا تهمنا؟

تعددية الأطراف هي عنصر أساسي في مواجهة التحديات العالمية الكبرى مثل تغير المناخ والذكاء الاصطناعي غير المنظم.
ماذا يعني مصطلح “تعددية الأطراف” ؟
في الأصل، كان مصطلح “تعددية الأطراف” يستخدم في الهندسة للإشارة إلى الأشكال التي تحتوي على عدة جوانب. أما في السياق السياسي، فيستخدم لوصف التعاون بين عدة دول ذات مصالح ورؤى مختلفة لتحقيق أهداف مشتركة.

العالم يجتمع لمناقشة القضايا الدولية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
تشكل منظومة الأمم المتحدة المنبر الرئيسي للتعددية، حيث تجتمع الدول لمعالجة القضايا العالمية وإيجاد حلول مشتركة. ومن خلال المؤتمرات، والقمم، والاجتماعات، يتم بحث أهم التحديات التي تواجه العالم وتعزيز التعاون الدولي للتصدي لها.
في العلاقات الدولية، تعمل الدول معا (التعاون)، وتتفاوض للوصول إلى حلول وسط (التسوية)، وتنسق جهودها (التنسيق) لمواجهة التحديات التي لا يمكن لأي دولة التعامل معها بمفردها. وتساعد هذه العناصر الثلاثة في بناء الثقة وحل النزاعات بطرق سلمية.
جعل العالم الحديث ممكنا
تخيل لو أن كل دولة طورت نظاما مستقلا للاتصالات الهاتفية، أو شركات الطيران، أو الشحن، أو البريد، دون أي تنسيق مع غيرها. كان ذلك سيؤدي إلى حالة من الفوضى في السفر والتواصل والتجارة العالمية. بفضل التعددية، أصبحت لدينا أنظمة دولية موحدة تسهل هذه الأمور وتجعلها ممكنة.

تمكن التعددية من التنسيق الدولي عبر القطاعات، بما في ذلك الاتصالات.
يعود الفضل في وجود معايير عالمية لمجموعة من أنشطتنا اليومية من الصحة إلى الأنظمة البريدية إلى السفر وغيرها إلى تعددية الأطراف، وإنشاء سلسلة من المنظمات متعددة الأطراف، والتي تأسس العديد منها في القرن التاسع عشر، وأصبحت الآن جزءا من منظومة الأمم المتحدة.
وهناك منظمتان متعددتا الأطراف سبقتا الأمم المتحدة وهما:
-
الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU): بدأ عام 1865 لتوحيد شبكات التلغراف. الآن، يساعد في حوكمة ترددات الراديو والأقمار الصناعية والإنترنت.
-
منظمة العمل الدولية (ILO): تأسست عام 1919 لتعزيز حقوق العمال وتشجيع فرص العمل اللائق وتعزيز الحماية الاجتماعية وتقوية الحوار حول القضايا المتعلقة بالعمل.
وضع السياسات متعددة الأطراف
منذ عام 1945، ساعدت الأمم المتحدة البلدان على العمل معا وإبرام اتفاقات مهمة.
والذراع الرئيسي لصنع السياسات في المنظمة هو الجمعية العامة، وهي محفل فريد من نوعه للمناقشات متعددة الأطراف للقضايا الدولية. وتمتلك كل دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة صوتا متساويا، بغض النظر عن حجم اقتصادها أو عدد سكانها أو قوتها العسكرية: فتصويت موناكو يحمل نفس الوزن الذي يحمله تصويت الصين.
إنجازات الأمم المتحدة
من السمات الأخرى لتعددية الأطراف هي وضع المعايير. وتضطلع الجمعية العامة بهذا الدور المعياري حيث وضعت العديد من القوانين والمعاهدات الدولية المتعلقة بنزع السلاح وحقوق الإنسان وحماية البيئة.

ومن أعظم إنجازاتها صياغة واعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الرائد الذي مهد الطريق لمجموعة شاملة من قوانين حقوق الإنسان.
وقد قام بصياغته ممثلون من خلفيات قانونية وثقافية مختلفة من جميع مناطق العالم، وقد أعلنته الجمعية العامة عام 1948. وحددت، لأول مرة، حقوق الإنسان الأساسية التي يجب حمايتها عالميا وألهمت دساتير العديد من الدول المستقلة حديثا والديمقراطيات الجديدة.
الحرب الباردة
خلال الحرب الباردة (من أواخر الأربعينيات إلى أوائل التسعينيات) ، لعبت الأمم المتحدة دورا رئيسيا في حفظ السلام والحد من التسلح. وعلى الرغم من التهديد بحرب نووية ، تم تجنب حرب عالمية ثالثة جزئيا بسبب توفير الأمم المتحدة منصة للمناقشة وصنع القرار.
الأمم المتحدة اليوم
وبعد حوالي 80 عاما، لا تزال الأمم المتحدة هي المنظمة متعددة الأطراف الرئيسية في العالم، حيث تقوم بمواءمة وتنسيق العمل الدولي في مجالات تتراوح من حفظ السلام إلى التنمية الاقتصادية إلى التجارة.

موظفو الأمم المتحدة يدعمون حملة التطعيم ضد شلل الأطفال في غزة.
وقد أنقذت ملايين الأرواح بفضل المساعدة الإنسانية التي قدمتها الأمم المتحدة ونسقتها، مما أدى إلى توفير الغذاء والصحة والمأوى إلى مناطق النزاع والكوارث. وقد اتسع الإطار متعدد الأطراف إلى ما هو أبعد من البلدان ليشمل ممثلين عن المجتمع المدني والشباب وقطاع الأعمال وغيرهم.
ماذا بعد؟
غالبا ما تكافح الدول الأعضاء للتعامل بفعالية مع التهديدات والتحديات العالمية الراهنة، بدءا من الحروب الأهلية المدمرة والصراعات العابرة للحدود إلى تزايد عدم المساواة الاقتصادية بين الدول وداخلها، والتهديدات الوجودية بسبب الذكاء الاصطناعي غير المنظم وتغير المناخ.
وللتأكد من أن الأمم المتحدة ستظل مناسبة للغرض الذي أنشئت من أجله باعتبارها المحفل العالمي البارز لتعددية الأطراف في العقود القادمة، دعت الدول الأعضاء الأمين العام أنطونيو غوتيريش عام 2020 إلى وضع رؤية لحوكمة عالمية أقوى للأجيال الحالية والمستقبلية.
تم تلخيص الإصلاحات السياسية في مجالات عدة، من حفظ السلام إلى هيكلة النظام المالي الدولي، والتعليم، وإشراك الشباب في صناعة القرار، ضمن “خطتنا المشتركة”، التي تضمنت توصيات لتعزيز دور الأمم المتحدة وتحديثها. وقد شكلت هذه التوصيات أساسا لـ “ميثاق المستقبل”، الذي اعتمده قادة العالم خلال قـمة المستقبل التي عقدت في مقر الأمم المتحدة بنيويورك في أيلول/سبتمبر 2024.
دعوة الأمين العام للأمم المتحدة إلى العمل
في عامه الأول في منصبه، شدد الأمين العام أنطونيو غوتيريش على أن وجود القوانين والاتفاقيات وحده لا يكفي، داعيا إلى التزام أقوى بنظام عالمي قائم على القواعد، تكون الأمم المتحدة في مركزه، إلى جانب المؤسسات والمعاهدات التي تجسد مبادئ مـيثاق الأمم المتحدة.
وأكد الحاجة إلى تعددية متشابكة تربط الأمم المتحدة بالمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى، وإلى تعددية شاملة قادرة على الصمود أمام التحديات والتهديدات التي تواجه العالم اليوم وغدا.
تعددية الأطراف – ما هي ولماذا تهمنا؟ المصدر: