مفارقة القوة.. حماية الاستقرار وهندسة الفوضى – د.عبدالله بن موسى الطاير – أخبار السعودية

احتلت القوى العظمى على امتداد التاريخ موقعا فريدا ومتناقضا في النظام الدولي؛ إنها، في مفارقة صارخة، تمثل أكثر دعائم السلام موثوقية، وفي الوقت عينه أكثر القوى زعزعة للاستقرار، فهي رافعات للبناء في زمن السلم، ومحركات للدمار عندما تنخرط في الحرب بشكل مباشر.
معادلة معقدة ومفارقة جوهرية، فالسمات التي تصيرها لا غنى عنها للأمن العالمي، هي نفسها التي تجعل كبح جماحها مهمة مستحيلة في الحرب.
دور القوى العظمى في تحقيق الاستقرار لا لبس فيه، ويمكن الاستشهاد بحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما أشرفت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، المنخرطتان في ردع نووي متبادل، على ما أطلق عليه الباحثون «السلام الطويل» بين القوى الكبرى. لم يجرؤ أي من الطرفين على توجيه ضربة مباشرة للآخر، ليس بدافع حسن النية، بل بسبب حسابات الدمار المتبادل.
وبالمثل، إذا ما امتد نفوذ الدول العظمى وشملت مظلتها نطاقا أوسع، فإنها تلقائيا تبقي الدول المارقة تحت السيطرة، وهي لولا تلك الحماية القوية للنظام الدولي لشنت حروبا عدوانية انتهازية على نحو متكرر. المادة الخامسة في ميثاق حلف الناتو ردعت، لعقود، المغامرات في أوروبا، ليس من خلال الصراع المباشر، بل من خلال الوعد الضمني برد ساحق. فقوة الدول العظمى، في أفضل صورها، تشكل تهديدا دائما لا حاجة لتنفيذه، ولهذا كانت روسيا بعد الاتحاد السوفيتي معارضة شرسة لشمول جارتها أوكرانيا بمظلة حلف الناتو.
بمجرد أن تتحول قوة عظمى إلى العدوان ينهار مبدأ الردع بسرعة مُقلقة؛ فتاريخ التدخلات العسكرية للقوى العظمى حافل بصراعات تجاوزت نطاقها ومدتها وحدودها الجغرافية المُخطط لها، وتُعد تجربة الولايات المتحدة في فيتنام، والاتحاد السوفيتي في أفغانستان مثالين للعظة.
ما بدأ باعتباره التزاما محدودا لدعم حكومة هشة تحوّل على مدى عقدين إلى حرب طاحنة قتلت أكثر من 58 ألف أمريكي، وألحقت دمارا هائلا بمنطقة بأكملها. واتبع التدخل السوفيتي في أفغانستان بين عامي 1979 و1989 مسارا مشابها؛ قوة واثقة، اعتقدت أن تفوقها العسكري سيحسم النزاع سريعا، لتجد نفسها في نهاية المطاف عالقة في صراع غير متكافئ لا يمكن كسبه. في كلتا الحالتين، أدت ضخامة قدرات القوة المتدخلة، بشكل متناقض، إلى إطالة أمد الحرب، إذ لم يمتلك أي طرف خارجي النفوذ أو المصداقية أو القوة المضادة اللازمة لإجبار القوة العظمى على الانسحاب.
وهنا تحديدا تتضح خطورة البُعد الثاني لهذه المفارقة، فعندما تشن قوة عظمى حربًا من جانب واحد، فإنها تجعل الصراع مستعصيا على الوساطة الدولية. وبالتالي تجد الدول الأصغر حجما، والمنظمات الدولية، وحتى القوى العظمى المنافسة، نفسها مجردة من أي نفوذ حقيقي. فمن يستطيع تهديد قوة عظمى نووية لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؟
إن عدم التكافؤ الذي يجعل القوى العظمى رادعا فعالا في زمن السلم، يتحول في زمن الحرب إلى عدم تكافؤ يحصّنها من المساءلة، وتصبح الحرب، من الناحية الهيكلية، ملكا لها وحدها لإنهائها، ولن تنهيها إلا بشروطها، أو لن تنهيها أبدا.
تتفاقم المخاطر عندما يصبح تحقيق نصر سريع أمرا صعب المنال، فساحات المعارك قليلا ما توافق افتراضات التخطيط. ومع استمرار الصراع وطول أمده تواجه القوة العظمى خيارات صعبة، فإما قبول انسحاب مهين، أو التصعيد، أو توسيع رقعة الحرب جغرافيا.
وفي السيناريو الثالث، تجد الدول المجاورة نفسها متورطة قسرا في أتون صراع لم تُستشر أو تستأذن فيه.
في الحرب الروسية الأوكرانية وجد حلفاء الناتو أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، إذ كيف يدعمون أوكرانيا دون التسبب في تصعيد يوسع نطاق الحرب، فتدخلهم المباشر سيؤدي لا محالة إلى استفزاز دولة نووية.
إذن، لا يكمن الدرس في تمجيد هيمنة القوى العظمى أو تجاهل وظائفها الحقيقية في تحقيق الاستقرار، بل في الإصرار على الضوابط المؤسسية المتمثلة في الأطر الدولية متعددة الأطراف، والقانون الدولي الملزم، وآليات الأمن الجماعي الموثوقة التي تُمكن القوى العظمى من توجيه قوتها نحو ردع بنّاء مع كبح جماح نزعاتها العسكرية الأحادية الأكثر تدميرا.
القوى العظمى ذات أهمية بالغة بحيث لا يمكن تركها دون ضوابط تكبح جمحها، فقوتها مصدر مهم للمحافظة على النظام الدولي، ولكن إذا ما أُطلق لها العنان دون قيود، فإنها تتحول إلى مصدر أساس للفوضى. المؤسف أن دروس التاريخ لا تستوعب على نحو رادع قبل أن تكرر إحدى القوى العظمى خطأ فادحا آخر.
مفارقة القوة.. حماية الاستقرار وهندسة الفوضى – د.عبدالله بن موسى الطاير – أخبار السعودية المصدر:









