ناشطة سورية أمام مجلس حقوق الإنسان: المستقبل يعتمد على تحقيق العدالة للمختفين قسرا

أسست السيدة ياسمين المشعان مع عدد من عائلات ضحايا الاختفاء القسري في سوريا “رابطة عائلات قيصر” التي تضم أسرا تعرفت على أحبائها المقتولين بين “صور قيصر” التي تم تهريبها من البلاد عام 2013. وكانت السيدة المشعان قد بدأت في العمل الحقوقي للمطالبة بالحقيقة وكشف مصير أكثر من 130 ألف مفقود بعدما فقدت خمسة من إخوتها خلال السنوات الأولى من الحرب في سوريا.
مثال على قوة الضحايا
أمام فعالية عقدت أثناء فعاليات الدورة الثامنة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، قالت المشعان إن الرابطة كانت من بين جمعيات ضحايا وناجين عديدة تفاعلت مع الدول الأعضاء والمؤسسات الأممية للمطالبة بإنشاء هيئة تدعم حقهم في معرفة الحقيقة وتكشف مصير أحبائهم المفقودين.
وقد أثمرت هذه الجهود باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 77/301 في حزيران/يونيو 2023، والذي أنشأ المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا وضمن مشاركة الضحايا في عملها.
وقالت المشعان إن هذه التجربة “تشكل مثالا لقوة الضحايا وقدرتهم على تطوير وتعزيز جهود العدالة”، وأملت أن تمهد هذه الجهود الطريق “وتشكل دعائم لسياسة وطنية سورية للعدالة الانتقالية يتم تطويرها بمشاركة حقيقية للضحايا ومنظمات المجتمع السوري ويكون مبدأ مركزية الضحايا في جوهرها”.
وقالت الناشطة السورية إن مشاركة الضحايا أساسية لنجاح برامج العدالة الانتقالية وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان في البلدان التي تشهد نزاعات أو تعاني من دكتاتوريات أو تلك التي تمر بفترات انتقالية، مؤكدة أنهم “قادرون على مد الجسور بين مختلف فئات مجتمعاتهم، وبالتالي الوصول إلى بيئة يسودها العدل والسلام في سوريا”.
السلام يبدأ بمشاركة الضحايا
ولضمان أن تكون المشاركة فعالة، شددت السيدة المشعان على ضرورة مواكبة حركة الضحايا في جهودهم لمواجهة التحديات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأمنية التي قد تعيق دورهم.
ودعت المجتمع الدولي إلى بذل أقصى الجهود من أجل حماية الضحايا وحقوقهم، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتقني والقانوني والمالي لهم. كما حثت على إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر تضررا من التمييز والتهميش، لا سيما النساء.
وقالت إنه يتعين على الجهات الحكومية والهيئات الأممية، اعتماد نهج يرتكز على الضحايا في سياساتها وقراراتها وبرامجها، على غرار ما قامت به الجمعية العامة، وألا يقتصر ذلك “على النصوص فقط، بل ينبغي ترجمته إلى واقع ملموس وممارسة سياسية فعلية”.
وأضافت: “السلام يبدأ من المشاركة الحقيقية للضحايا في مسارات العدالة الانتقالية”.

فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يلقي بيانه الافتتاحي في اجتماع مجلس حقوق الإنسان بشأن العدالة الانتقالية.
معالجة الفظائع الماضية
من جانبه، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن العدالة الانتقالية “تتصدى لشياطين الماضي لبناء مستقبل أفضل” وتساعد في إصلاح النسيج المؤسسي والاجتماعي للمجتمعات المتصدعة. وقال: “إن العدالة الانتقالية تتعلق قبل كل شيء بالضحايا والكرامة والتعافي”.
وقال تورك إن تقريره لمجلس حقوق الإنسان يتضمن ممارسات قوية لتحقيق العدالة الانتقالية “يجب أن تلهمنا وتمهد الطريق للسلام المستدام في أماكن أخرى”.
ومن بين الأمثلة التي ضربها السيد تورك غواتيمالا، حيث نجحت التحالفات التي يقودها الضحايا في تأمين إدانة 31 عسكريا وشبه عسكري بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. كما أشار إلى كينيا التي شكل فيها الناجون من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي شبكة وطنية للمطالبة بالتعويضات، وإلى تشاد حيث بدأ الضحايا في تلقي التعويضات العام الماضي بفضل مثابرة مجموعات المجتمع المدني.
وقال: “إن الطريق إلى السلام ليس سهلا أبدا. وكثيرا ما تتعطل العدالة الانتقالية وتتباطأ بسبب الاستغلال السياسي، والتصميم التمييزي أو الانتقائي، وعدم كفاية الدعم من جانب السكان المتضررين، وضعف مؤسسات الدولة. المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات الشعبية، هو المفتاح للتغلب على هذه التحديات”.
وشجع السيد تورك الدول الأعضاء على العمل بشكل وثيق مع منظمات الضحايا والمجتمع المدني حتى يحصلوا على الدعم والحماية على المدى الطويل التي يحتاجون إليها.
نهج أساسي لحل المشاكل
وقال المفوض السامي إن العالم يواجه حالة متصاعدة من الصراع ويتعرض القانون الدولي لضغوط غير مسبوقة، مشيرا إلى دراسة وجدت أن عام 2024 “شهد أعلى عدد من الصراعات النشطة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”. وأكد أن الفشل في بناء السلام والحفاظ عليه، وضمان العدالة، والاستماع إلى الضحايا هو فشل جماعي “يهدد بإعادة إشعال الصراعات القديمة وإحداث صراعات جديدة”.
وأضاف: “في هذا العالم المجزأ، تعد العدالة الانتقالية نهجا أساسيا ومبدعا لحل المشاكل. يجب أن نستوعبها ونرعاها ونستخدمها لبناء سلام دائم”.
وقال تورك إن الوضع سوريا يقدم فرصة غير مسبوقة لجميع الشعب السوري، “بعد أكثر من 50 عاما من الدكتاتورية الوحشية ونحو 14 عاما من الحرب المدمرة”. وشدد على أنه لتحقيق سلام مستدام حقا، يجب أن تتخذ العدالة الانتقالية نهجا شاملا، ويجب أن تشمل “المساءلة، والبحث عن الحقيقة، والتعويضات، والتدابير لتجنب تكرار الانتهاكات”.
ناشطة سورية أمام مجلس حقوق الإنسان: المستقبل يعتمد على تحقيق العدالة للمختفين قسرا المصدر: