متابعات

بين هيبة “الرجز” ووهج البارود.. فن “التعشير” يروي قصة الأمجاد في مهرجان الفنون التقليدية

البلاد (جدة)

وسط الأجواء التراثية الساحرة التي تعيشها ساحات مهرجان الفنون التقليدية، الذي تنظمه وزارة الثقافة، تشق ومضات النيران سماء المكان ويتردد صدى طلقات البارود ممزوجاً بأصوات الأهازيج الحماسية، ليقف الجمهور معجباً أمام “التعشير الحجازي”، هذا الفن الشعبي والأدائي العريق الذي اشتهرت به قبائل تهامة والشفا بمنطقة مكة المكرمة. ليتحول هذا الموروث في المهرجان من مجرد استعراض إلى وثيقة حية تروي قصة تحوله من رقصة حربية قديمة كانت تشبه الاستعراض العسكري لبث الحماسة في المحاربين، إلى عنوان للفرح والبهجة في أوقات الأعياد، خاصة عيد الفطر المبارك، والمناسبات السعيدة.

 

وتبرز في هذا الفن ملامح العرض العسكري من حيث الترتيب والاحترافية والمهارة العالية، إذ يمشي العارضون بخطوات مرتبة واستعراضية تتناسق فيها الأدوار تحت إمرة قائد واحد، في فرقة يصل عدد أفرادها أحياناً إلى سبعين عارضاً يتوحدون في الأزياء والمعنى والرمي.

 

ويشرح الشاعر إبراهيم السفياني الارتباط الوثيق بين لون التعشير وفن “الرجز”، مبيناً أن الرجز هو المغنى المرافق للعرض، وهو بحر من بحور الشعر يمتد تاريخه لآلاف السنين ويعرف في بعض المناطق بـ”الردح”.

 

ويضيف: تاريخياً، وقبل توحيد البلاد على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – طيب الله ثراه –  كان الرجز والرمي الحي بالبارود عبر بندقية “المقمع” يستخدمان لاستنهاض الهمم وقت المعارك، وفي المقابل، إذا دخلت قبيلة على أخرى في أوقات السلم، كانوا يدخلون على وقع الرجز والتعشير كرسالة خالية من النزاعات والحروب واليوم، وبفضل دعم الدولة المستمر، أصبحت هذه الفنون والموروثات تصب في مصلحة اللحمة الوطنية وتعزيز الانتماء ونبذ كل ما يدعو للفرقة والخلاف، ليتغنى الشاعر بكلمات تدعو إلى الفخر والاعتزاز، بينما يدخل المعشرون إلى الساحة بالتناوب وبطريقة متقنة. ويصاحب التعشير الرجز بدايةً بما يُعرف بـ”المنقولة”، التي ينقلها (العراضة) وهم في طريقهم لميدان التعشير المُعد مسبقاً من (المعازيب) وأهل الحفل، وعند وصولهم يسلمون ثم يبدأون في الرمي (التعشير)، حيث يرتجز المغني أو (المرجز) -ويُقال يردح- ليكون الرمي متواصلاً، وإذا أنهى الشاعر أو المرجز (القالط) مع الضيوف رجزته بالبحر الذي تكون عليه، يرد أهل المقام في الصف المقابل برجز يتماشى مع معنى قصيدة الضيوف.

اقراء ايضا  انعقاد المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي غدًا

 

ويؤدى فن التعشير من خلال شخص واحد أو شخصين أو أكثر في وقت واحد، في مشهد يتطلب مهارة ولياقة ورشاقة وتدريباً مكثفاً. يستعرض العارض بمهارة وثقة ببندقية “المقمع” المحشوة بالبارود، ثم يثب عالياً في الفضاء ليعانق السماء. وأثناء هذه الوثبة، ينبغي على العارض ألا يحني من جسمه سوى حركتي الركبتين وأسفل الجذع، مع توجيه فوهة البندقية باتجاه الأرض بكلتا يديه، وبسرعة خاطفة يضغط على الزناد ليتحول البارود إلى سحابة من اللهب تحت قدميه.

 

وأوضح الشاعر السفياني قائلا: تتعدد طرق التعشير الحجازي بين السهل والصعب، ومن أشهرها حركة الجنب لليمين أو اليسار، وحركة “الكفت” التي تتمثل في إنزال البندقية من أسفل الأقدام بمرونة، وصولاً إلى حركة “الخلف” وهي حركة بالغة الصعوبة لا يؤديها إلا المحترفون المتمرسون.

 

وخلال التعشير يبدأ بتجهيز البارود وتعبئته في “المقمع” من فوهتها الأمامية بمقدار محدد، ثم يُدك بسلك أو عصا معدنية تُعرف بـ”المشحان” أو “الدكاك” داخل سبطانة البندقية. بعد ذلك، توضع قطعة نحاسية تسمى “الزردة” وجمعها “زرد” على “المامة”، وعندما يضربها الزناد تثور “الزهبة” ويخرج اللهب لإشعال البارود وإطلاقه.

 

ويوضح السفياني أن البارود المستخدم في رقصة التعشير هو ذخيرة غير حية تُصنع محلياً من مزيج يجمع بين أشجار العُشر والأراك والملح، حيث تُخلط وتُحرق معاً حتى تصبح جاهزة للمعشر أثناء تأديته لهذا العرض المهيب، الذي يجسد أصالة أبناء هذا الوطن الغالي وتكاتفهم الاجتماعي.

 

ويأتي مهرجان الفنون التقليدية ضمن التوجه الاستراتيجي لوزارة الثقافة، وبما يتواءم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، لتعزيز حضور الفنون التقليدية بوصفها من أبرز مكونات الهوية الوطنية، ومنصة فاعلة لإحياء التراث غير المادي وإعادة تقديمه بروح معاصرة. كما يهدف إلى اكتشاف ودعم المواهب الإبداعية في مجالات الفنون الأدائية والشعر النبطي، بما يسهم في ترسيخ قيم الإبداع، وتنمية المهارات الفنية، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية.

اقراء ايضا  زلزال بقوة 4.9 درجات يضرب مصر

بين هيبة “الرجز” ووهج البارود.. فن “التعشير” يروي قصة الأمجاد في مهرجان الفنون التقليدية

 

 

 

 

 

 

 

 


اقرأ على الموقع الرسمي

زر الذهاب إلى الأعلى
إنضم لقناتنا على تيليجرام