اخر الاخبار

هندسة الانتباه.. سلاح ترامب المدمر – د.عبدالله بن موسى الطاير – أخبار السعودية

أحببنا أسلوب الرئيس ترامب أم لم نحبه، فهو رجل ذكي إلى درجة العبقرية. إنه لا يعمل وفق قواعد الإجراءات، وإنما وفق قناعته الخاصة وأسلوبه المميز. عرف قدراته، وقدرات المنصب، وقدرات أمريكا، ووظفها في إستراتيجية تواصلية سوف تدرس في علوم الاتصال السياسي لعقود قادمة.

عندما يمعن الدارسون النظر في تداعيات الحرب الأخيرة، سيجدون أنفسهم أمام لغز لا علاقة له بالسياسة، ولا المؤسسة الأمريكية، ولا دولتها العميقة، ولا الصواريخ والقاذفات الإستراتيجية والبرنامج الإيراني النووي، أو مضيق هرمز، وإنما أمام أسلوب اتصالي فعَّال لدرجة التخدير. لقد اختط الرئيس لنفسه نمطاً حديثاً يستحق أن يقرأ لا كوثيقة سياسية، بل كحالة توضح كيف أصبح الانتباه نفسه هو الساحة الرئيسية للسلطة في عصر شبكات التواصل الاجتماعي.

استندت رسائل الرئيس ترامب خلال الحرب إلى أربعة ادعاءات بسيطة تتكرر بشكل شبه لحظي وهي أن «الحرب ضرورية»، وأنه «قد انتصر فيها»، و»يجب أن تستمر الحرب»، و»الحرب على وشك الانتهاء». ببساطة، لا يمكن أن يكون اثنان على الأقل من هذه الادعاءات صحيحين في الوقت نفسه، فهل هذا عيب؟ أبداً، ليس قصورا، وإنما هو لبّ الموضوع؛ فالحجة المعقدة التي يسوقها الساسة التقليديون تدعو إلى التفكيك، أما الحجة البسيطة، إذا تكررت حتى أصبحت مألوفة، فإنها تتوقف عن كونها حجة، وتبدأ في العمل كمناخ عام. ترامب لم يعط المتلقين فرصة لتقييم الحرب، بل جعلهم ببساطة يتنفسونها. إنه خيار اتصالي مصمم، بعبقرية الرئيس لا بعقول مراكز الدراسات وذاكرة المؤسسات، وله تأثير مدمر في بيئة معلوماتية، حيث لا يصمد فيها المتلقي العادي أمام رسالة سياسية إلا لثوان معدودة قبل أن يتجاهلها.

اقراء ايضا  جلسة حوارية صحة المرأة وجودة حياتها

تصريحه الشهير «ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبدًا. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث»، لأول مرة قد يقرأ التصريح على أنه من قبيل المبالغة، لكن التمعن في بنية الجملة ينتج رواية غاية في الإثارة؛ فهو يرسل توقعاً كارثياً وفي الوقت ذاته يخلي مسؤوليته الشخصية، وينقل المسؤولية عبر المحيط لتتحمَّلها طهران قبل أن ينطلق صاروخ واحد لتدمير الحضارة الفارسية. استخدام التهديد كنبوءة، والعدوان كرثاء تعد مناورة بارعة، سواء أكانت واعية أم فطرية، وأميل إلى الأخيرة، قلّما نجد في الذاكرة الحديثة من استطاع من السياسيين إجادتها.

في أسبوع واحد، أعلن القضاء على القدرة النووية الإيرانية، واعترف بأن مخزون اليورانيوم الإيراني تحت الأرض لا يشغل باله، وأن رئيساً أمريكياً قادماً قد يضطر إلى التعامل معه مجدداً. طالب في البداية باستسلام غير مشروط، وبعد فترة وجيزة وصف اقتراح إيران ذي النقاط العشر بأنه «أساس عملي» للتفاوض.

اعتاد الخطاب السياسي والإعلامي التقليدي النظر إلى التناقض على أنه دليل على فشل الدولة، وزلة لسان يجب تداركها، وموقف يحتاج إلى توضيح. أما ترامب فيتعامل معه كميزة؛ فكل تناقض ينتج دورة إخبارية جديدة، ويضعف سابقتها، ويضمن عدم قدرة أي سردية نقدية واحدة على الصمود لفترة كافية لتترسخ في عقول ووجدان قاعدته الانتخابية. التناقضات في إستراتيجية ترامب الاتصالية ليست عيوباً في النظام، بل إنها النظام ذاته.

إن منشوراً يتوعَّد بتدمير حضارة ما، ليس وثيقة سياسية، بل هو بمثابة تفجير تنتشر أخباره كالنار في الهشيم عبر المنصات، وتقتبسه قنوات الأخبار في غضون دقائق، ويناقشه المحلِّلون بكل لغات الدنيا لساعات، ويتحول إلى مادة ساخرة في الثقافة الشعبية مع حلول الليل. الصحافة التقليدية، المعتادة على تغطية تصريحات الرئيس كبيانات مكتوبة بعناية، تكافح لفهم وسيلة إعلامية تصل من خلالها أهم إشارات السياسة الخارجية للرئيس بوتيرة رسالة نصية في وقت متأخر من الليل، وقبل استيعابهم لها، تكون بضعة منشورات أخرى قد أعادت توجيه النقاش.

اقراء ايضا  تدهور الوضع الإنساني في أفغانستان نتيجة تصاعد التوترات عبر الحدود

هذا التكنيك التواصلي تصعب مواجهته لأنه يستخدم القدرات نفسها التي نستخدمها لتقييمه، وإذا زادت المبالغة، زادت صعوبة تجاهلها، وإذا تراكمت التناقضات بسرعة، تعاظمت صعوبة محاسبة أي منها، وكلما كان التهديد أكثر استعراضية، زادت قوة النفوذ الدبلوماسي الذي ينتجه، حتى عندما يكون التهديد نفسه غير معقول، لأن الرئيس ترامب لا يفكر أو يتصرف وفق القواعد؛ عبء تفسير رسائل ترامب الاتصالية يعد أحد مظاهر القوة.

تكمن عبقرية ترامب الاتصالية في أنه استشعر ما لا يزال العديد من خبراء التواصل يرفضون قبوله وهو اقتصاد جذب الانتباه، فتماسك الرواية يعتبر نقطة ضعف بالنسبة له، بينما يعتبر الكم إستراتيجية. السؤال الذي يواجه الديمقراطية الأمريكية ليس ما إذا كانت هذه الإستراتيجية ناجحة، فهي ناجحة بكل وضوح، وإنما، أي نوع من السياسة، وأي نوع من المواطنين، سيصمد أمام التعرض طويل الأمد لها؟ بعد نهاية ولاية الرئيس ماذا سيكون عليه حال أمريكا في بيئة معلوماتية لا يستطيع فيها المواطنون تكوين قناعات راسخة حول نوايا حكومتهم.


هندسة الانتباه.. سلاح ترامب المدمر – د.عبدالله بن موسى الطاير – أخبار السعودية المصدر:

زر الذهاب إلى الأعلى
إنضم لقناتنا على تيليجرام