
يشهد الهلال اليوم تحولات تنظيمية كبرى، ربما تكون من أهم التحولات في تاريخه الحديث؛ مجلس إدارة جديد، وإدارة فنية أجنبية بقيادة هيوز، ونموذج مختلف في إدارة كرة القدم، في وقت تتغير فيه صناعة الرياضة السعودية كلها بسرعة غير مسبوقة. وفي مثل هذه المنعطفات لا يكون السؤال فقط: من يدير الهلال؟ وإنما: إلى أين يذهب الهلال؟ وكيف نريده بعد خمس سنوات وعشر؟
وبعيدًا عن لغة الخطط والمؤشرات والهياكل، هناك طرف لا يمكن أن تنجح أي معادلة هلالية من دونه: الجمهور. ونحن المشجعين لا نجيد دائمًا الحديث بلغة الإدارة. تحكمنا العاطفة، نغضب بسرعة، ونرضى أسرع.
قد نحاكم مباراة كاملة من تمريرة، ونثور على تبديل، ونختلف حول لاعب، ثم يكفينا هدف في الدقيقة التسعين كي ننسى نصف ما قلناه. هكذا هو المشجع حين يحب؛ لا يحمل دفترًا لتسجيل الإيجابيات والسلبيات، يحمل قلبًا يتقلب مع الكرة. لهذا، فهذه ليست قائمة مطالب، ولا محاولة للتدخل في عمل الإدارة الجديدة، ولا رسالة مشجع يظن أنه يعرف كرة القدم أكثر من أهلها.
إنها رسالة من المدرج؛ من ذلك المكان الذي لا يعرف الحسابات الهادئة دائمًا، لأن من يسكنه لا يتعامل مع الهلال باعتباره فريقًا يشجعه فقط، وإنما جزءًا من ذاكرته ومزاجه وأيامه.
نحن نستطيع أن نتفهم الكثير. نتفهم الخسارة، فهذه كرة القدم، ونتفهم موسمًا صعبًا، وإصابة نجم، وخطأ مدرب، وتعثر صفقة، وحتى قرارًا نكتشف لاحقًا أنه لم يكن موفقًا. لسنا جمهورًا يعتقد أن فريقه يجب أن ينتصر في كل مباراة، ولا أن كرة القدم يمكن إدارتها بالأمنيات. لكن هناك شيء واحد يصعب علينا احتماله: أن يُنتقص الهلال.. أن يصبح أقل حضورًا مما يجب، أو أقل هيبة مما عرفناه، أو أقل طموحًا مما صنع تاريخه.
فالهلال بالنسبة لجمهوره لم يتأسس على فكرة المشاركة، وإنما على فكرة المنافسة. وهذا النادي هو الذي رفع سقف توقعات جماهيره عبر السنين، حتى أصبح السؤال بعد كل بطولة ليس: ماذا حققنا؟ وإنما: ماذا بقي لنحققه؟
ولهذا، فإن التحولات التي يعيشها الهلال اليوم لا نريدها مجرد تغيير في الأسماء والهياكل وطريقة الإدارة. نريدها فرصة لبناء هلال السنوات المقبلة؛ هلال لا يعيش على تاريخه، وإنما يضيف إليه.
واليوم يا إدارة الهلال، وأنتم تبدؤون هذه المرحلة، هناك حقائق لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد تاريخ قريب. الهلال منذ عامين بلا دوري، ومنذ خمس سنوات بلا بطولة آسيوية، والأكثر إيلامًا من البطولات نفسها أن ناديًا بهذا الحجم ظل قرابة عقد من الزمن دون موهبة استثنائية حقيقية تصعد من فئاته السنية، وتكبر أمام أعين جماهيره، ثم ترتدي قميص الفريق الأول باعتبارها ابنته قبل أن تكون لاعبه. وهنا ربما تكمن الحكاية كلها.
نريد منكم أن تنظروا إلى الهلال من جهتين في الوقت نفسه: هلال اليوم، وهلال الغد. هلال اليوم يحتاج فريقًا قويًا، ومدربًا يعرف قيمة القميص الذي يديره، ولاعبين يدركون أن اللعب للهلال ليس وظيفة كروية جيدة، وإنما مسؤولية مضاعفة. في أندية كثيرة تكفي الموهبة، وفي الهلال لا تكفي. هنا تحتاج الموهبة إلى شخصية، والشخصية إلى شغف، والشغف إلى قدرة على احتمال جمهور لا يقبل بسهولة أن يرى فريقه ثانيًا.
لا نطلب الفوز في كل مباراة، فهذا مستحيل. لكننا نطلب أن نرى في كل مباراة فريقًا يريد الفوز كما نريده نحن.
نريد الهلال الذي حين يخسر يترك خصمه يعرف أنه نجا منه، لا الهلال الذي يتعايش مع الخسارة. نريده شرسًا في آسيا، جائعًا في الدوري، حاضرًا في كل بطولة، لا يختار مجده ولا يؤجل طموحه. فالهلال لم يصنع مكانته بكأس واحدة ولا بجيل واحد؛ صنعها بتلك الرغبة المستمرة في أن يبدأ من جديد كلما انتهى احتفال. أما هلال الغد، فهنا المسؤولية الأكبر.
لا يمكن لنادٍ يريد أن يبقى عظيمًا أن يعيش إلى الأبد على سوق الانتقالات. الصفقات تمنحك فريقًا، لكن الأكاديمية تمنحك ناديًا. تستطيع الأموال أن تأتيك بلاعب كبير، لكنها لا تستطيع أن تشتري ذلك الشعور الذي يصنعه لاعب بدأ طفلًا في ملاعب النادي، ثم كبر حتى أصبح نجمًا في الفريق الأول. نريد أن نرى طفلًا هلاليًا جديدًا يكبر أمامنا.
نريد اسمًا لا نعرفه اليوم، لكنه بعد سنوات يصبح حديث المدرج والمنتخب والقارة. نريد أن تعود الفئات السنية مصنعًا للمواهب، لا مجرد فرق تؤدي مسابقاتها وتنتهي. وحين ننظر بعد خمس سنوات إلى هذه الإدارة، لا يكون إرثها عدد البطولات والصفقات فقط، وإنما أسماء اللاعبين الذين صنعتهم وتركتهم للهلال. وهذه تحديدًا مسؤولية الإدارة الفنية الأجنبية الجديدة.
نحن لا نريد من هيوز وفريقه أن يخبرونا بما نعرفه عن الهلال، وإنما أن يروا ما قد لا نراه نحن بسبب عاطفتنا. نريد عينًا محترفة لا تخشى القرار، ولا تجامل اسمًا، ولا تنبهر بسيرة لاعب، ولا تجعل سعر الصفقة معيارًا للمشاركة.
نريد مشروعًا فنيًا يستطيع أن يجيب بوضوح: كيف سيلعب الهلال؟ ما الشخصية التي نريدها للفريق؟ من اللاعب الذي يناسب هذه الشخصية؟ وكيف يصبح الطريق من فرق الناشئين والشباب إلى الفريق الأول طريقًا حقيقيًا، لا ممرًا مغلقًا؟ نريد محترفين يصنعون الفارق، وسعوديين ينافسونهم، ومواهب شابة ترى أمامها بابًا مفتوحًا إذا كانت تستحق. ونريد أكثر من ذلك؛ نريد أن نفكر في الهلال الذي سيحبه أطفال لم يولد بعضهم بعد. نريد أن تعود إلى حصة الرياضة في المدارس، فترى بين الصغار طقم الهلال هو الأكثر حضورًا، لا لأن أحدًا طلب منهم ارتداءه، وإنما لأن طفلًا اختار فريقه، وتعلّق بنجومه، وحفظ أهدافه، وانتظر مبارياته، ثم أصرّ على والده أن يشتري له قميص لاعبه المفضل. نريد طفلًا ينشأ على حب الهلال، لا أن نكتفي بجمهور ورثناه من زمن البطولات القديمة. فالجماهير أيضًا تُبنى، والانتماء الرياضي يبدأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة جدًا: قميص أزرق في حقيبة المدرسة، صورة لاعب على جدار الغرفة، أول مباراة يحضرها مع أبيه، أول هدف يقفز له من مقعده، وأول مرة يدخل فيها ملعب الهلال فيشعر أن هذا المكان يعنيه.
الأندية الكبرى لا تصنع اللاعبين فقط، إنها تصنع أجيالًا من المحبين.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الهلال لا يبدأ وينتهي في الأكاديمية، ولا في صفقة لاعب عالمي، ولا حتى في ملعبه الجديد؛ إنه يمتد إلى الطفل الذي يختار اليوم ناديه للمرة الأولى. هذا الطفل قد لا يشتري تذكرة الآن، ولا قميصًا من ماله، لكنه بعد عشرين عامًا سيكون هو المشجع الذي يشتري التذكرة والاشتراك والقميص، ويأتي إلى الملعب ممسكًا بيد طفله.
نريد الهلال حاضرًا في طفولة الجيل الجديد؛ قريبًا منهم، يتحدث إليهم، يفتح لهم ملعبه، ويصنع لهم أبطالًا يحبونهم وذكريات تبقى معهم. نريد أن يكبر الطفل والهلال يكبر داخله.
فالبطولة تصنع فرحة موسم.. أما الطفل الذي يقع في حب الهلال، فقد كسبت منه عمرًا كاملًا.
ونريد من مجلس الإدارة شيئًا ربما يكون أهم من كل ذلك: أن يحمي الفكرة. فكرة القدم مليئة بالضجيج. بعد خسارتين ستظهر المطالبات بالتغيير، وبعد انتصارين سيقال إن كل شيء أصبح رائعًا.
لا تصدقوا هذا ولا ذاك. الجماهير من حقها أن تنفعل، والإعلام من طبيعته أن يسأل وينتقد، لكن الإدارة يجب أن تكون أكثر هدوءًا؛ تعرف متى تصبر، ومتى تتدخل، ومتى تدافع عن مشروعها، ومتى تعترف بأن قرارًا ما كان خاطئًا وتصححه بلا مكابرة.
** **
– خالد الباتلي




