
باسم سلامة القليطي
كأس الخليج أسعدتنا، لكن ما أسعدنا أكثر هو أن نرى الأخضر من جديد على منصة التتويج. فبعض البطولات تنتهي مع صافرة الحكم، وبعضها يبدأ أثرها بعد الصافرة، وهذا اللقب من النوع الثاني؛ لأنه أعاد شيئاً أهم من الكأس: أعاد الثقة. الثقة التي يحتاجها المنتخب قبل أي بطولة، والجمهور قبل أي مباراة، والجيل الجديد الذي يريد أن يرى الأخضر منافساً على القمة، لا مجرد حاضر فيها.
لذلك جاءت فرحتنا بهذا اللقب مختلفة؛ فهي فرحة بالماضي، لكنها في جوهرها فرحة بما يمكن أن يكون عليه المستقبل. كأس الخليج لم تكن نهاية قصة، بل كانت صفحة جديدة في قصة الأخضر، صفحة ترفع سقف الطموح قبل كأس آسيا، وتقول إن العودة إلى البطولات ممكنة، وأن الطريق لا يزال مفتوحاً أمام منتخب يعرف كيف يبدأ من جديد.
أما النهائي، فلن أطيل الحديث عنه؛ فقد اختصره محمد العويس، الحارس الذي كان أحد أبرز وجوه هذه البطولة، في ثلاث جمل تختزل الحكاية كلها: «كل المباريات لعبنا 90 دقيقة، مباراة قطر 120 دقيقة، آخر مباراة كانت 10 دقائق». يا لها من قراءة بسيطة، لكنها عميقة! فالعشر دقائق التي تحدث عنها العويس لم تكن مجرد دقائق في مباراة، بل كانت خُلاصة بطولة كاملة. دخل الأخضر النهائي وكأنه قرر ألا يمنح القلق وقتاً ليكبر؛ هدف همام الهمامي جاء مبكراً، ثم تبعه هدف فراس البريكان، فتحولت الدقائق الأولى إلى إعلان واضح عن نية الأخضر. لم يحتج المنتخب إلى مباراة طويلة ليقول ما يريد؛ قاله مبكراً، ثم عرف كيف يحافظ عليه حتى النهاية.
لكن خلف تلك الدقائق العشر حكاية أخرى تستحق التوقف؛ حكاية منتخب عرف كيف يحمي مرماه كما عرف كيف يصل إلى مرمى منافسه. شباك الأخضر بقيت نظيفة طوال البطولة، وهي ليست مجرد إحصائية جميلة تُكتب في سجل التتويج، بل علامة على منظومة امتلكت قدراً كبيراً من التركيز والانضباط. كان عبد الإله العمري وحسان تمبكتي في قلب الجدار الدفاعي، وكان خلفهما محمد العويس يُثبت في كل مناسبة أن الحارس الكبير لا يُقاس بعدد الكرات التي يمسكها أو يصدها فقط، بل بحضوره في اللحظة التي يحتاج فيها الفريق إلى الأمان.
ولعل القيمة الأكبر في هذا التتويج أن المنتخب لم يفز بالكأس فقط، بل استعاد شيئاً من هويته. نجح دونيس في إعادة ترتيب الفريق، ومنح عناصر جديدة مساحة لإثبات نفسها، وبنى منظومة أكثر توازناً بين الجرأة والانضباط. لم يكن المطلوب مجرد تغيير أسماء، بل استعادة شخصية المنتخب؛ تلك الشخصية التي تجعل اللاعب يدخل المباراة وهو يعرف قيمة القميص الذي يرتديه، ويعرف أن الفوز ليس لحظة عابرة، بل مسؤولية. ولذلك جاء هذا اللقب في توقيت مهم؛ ليكون رداً عملياً على خيبات سابقة، ويمنح الجماهير سبباً جديداً لتصدق أن الأخضر يستطيع أن يستعيد حضوره عندما تتوافر له الرؤية والعمل والثقة.
ويأتي هذا اللقب أيضاً بعد انتظار خليجي طويل؛ 23 عاماً منذ آخر تتويج عام 2003، ليرفع المنتخب السعودي رصيده إلى أربعة ألقاب. لكن الرقم وحده لا يروي الحكاية كاملة. الحكاية أن جمهوراً سعودياً عاد ليحتفل بمنتخبه، وأن المدرجات عادت لتقول إن العلاقة بين الأخضر وجماهيره لم تتغير، مهما ابتعدت الكؤوس. وكلما اقتربت البطولة من نهايتها، ارتفع الحضور، حتى بدا أن الجمهور لم يكن ينتظر الكأس وحدها، بل كان ينتظر لحظة يشعر فيها أن المنتخب الذي يحبه عاد إليه. وفي هذا المعنى، كان الحضور الجماهيري جزءاً من مشهد التتويج، لا مجرد خلفية له.
لقد قال العويس إن النهائي كان عشر دقائق، لكن رحلة الأخضر إلى الكأس كانت أطول بكثير. وربما لهذا تبدو هذه الدقائق العشر مهمة؛ لأنها لم تصنع بطولة فقط، بل أعادت إلى الأخضر ثقته، وإلى جماهيره إيمانها بقدرته على العودة. إنها صفحة جديدة، لا يليق بها أن تكون محطة عابرة، بل بداية لمسار يُعلن أن الأخضر لم يعد ليحتفل ببطولة عابرة، وإنما ليبقى حيث ينبغي له أن يكون.




