
خالد محمد الدوس
في مشهد إعلامي تعجّ به المنصات الرقمية بآلاف الأخبار اليومية، لم يكن خبر اعتناق النجم البرازيلي روبرتو كارلوس للإسلام سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من الإشاعات التي تنتشر كالنار في الهشيم، لتُخضِع عقول الملايين لـ»ثقافة القطيع» التي تُغيِّب التفكير النقدي وتُعطي الأولوية للانسياق خلف الجمهور..!
انطلقت (الشائعة) في منصة أكس، بأن النجم البرازيلي الأسطوري «روبرتوكارلوس» نطق بالشهادتين قبل عدة أيام. ولم تمر ساعات حتى تحول الخبر إلى «حقيقة» راسخة في عقول الملايين، وتناقله مستخدمو مواقع التواصل وكأنه( بيان رسمي) صادر عن اللاعب نفسه..!!
وتعززت الشائعة بزواج كارلوس من سيدة عربية، مما جعل الصورة تبدو «مكتملة» في أذهان المتناقلين. ففي ثقافة القطيع، يكفي أن يتوافق الخبر مع توقعات الجمهور ليُصدَّق دون تمحيص.!
لكن «روبرتو كارلوس» كسر صمته سريعًا، ففي تصريحات إعلامية قال أسطورة ريال مدريد السابق: «أكنّ كل الاحترام للإسلام، ومن الرائع رؤية زوجتي وهي تصلي، لكن الشائعات المتداولة بشأن اعتناقي الإسلام غير صحيحة».!! وأكد في منشور على «إنستغرام»: «أريد أن أوضح أنني لم أتحول إلى الإسلام. الإيمان أمر شخصي بشكل كبير، وأنا أعتقد أن إيمان كل شخص يجب معاملته باحترام».
ولم يكتفِ اللاعب بالنفي، بل أعرب عن استيائه الشديد من «نشر أخبار غير صحيحة» تتعلق بمعتقداته الشخصية، مشددًا على أنه «لم يعجبه إطلاقًا أنهم تحدثوا عن شيء لا وجود له»..مؤكداً أن ما تم تداوله «لا يمت للحقيقة بصلة»..!!
هذه الواقعة ليست مجرد خبر عابر..! بل مرآة تعكس ظاهرة اجتماعية عميقة تعرف في علم الاجتماع بـ«سلوك القطيع»، الذي يُعرَّف بأنه «سلوك الأشخاص في الجماعة عندما يقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ينتمون لها دون كثير من التفكير أو التخطيط والبحث». وكما سّماها مؤسس علم الاجتماع الأكاديمي «إيميل دوركهايم» في ضوء دراسته للظواهر الاجتماعية.. بـ«الضمير الجمعي»..! حيث يتحول -هذا الضمير- الى محرك عنيف للانصياع في لحظة انتشار الشائعات وتصديقها من الكثير من الناس..!!
وتشير الدراسات في علم اجتماع إلى أن «انتشار الإشاعات الكاذبة يتسم بميول القطيع، حيث تنتشر الشائعات الكاذبة في أعماق أكبر من حيث التداول».
وتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة لهذه الظاهرة؛ إذ «ينشر الأشخاص موضوعًا دون التأكد من مصدره، لمجرد أنه مذيل بجملة «أرسله لأكبر عدد ممكن»، ويتجنبون مخالفة التعليقات السائدة غالبًا». وفي حالة روبرتو كارلوس، اكتفى المتناقلون بمنشور صادر من عضو في البرلمان التركي..!! لا يمثل اللاعب – لينطلقوا في موجة تعميم لا تتوقف عند حدود الحقيقة.!
هنا يأتي دور علم الاجتماع التربوي كحقل معرفي وتراكمي متخصص في تشخيص الداء ووصف الدواء. فالثقافة التربوية القائمة على تنمية التفكير النقدي والوعي الإعلامي هي السبيل الوحيد لمواجهة ثقافة القطيع..! ففي زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة تفوق قدرة العقل البشري على التمحيص، تصبح التربية على «عدم الانسياق وراء الشائعات» مسؤولية مجتمعية لا تقل أهمية عن أي منهج دراسي.
وتتجلى أهمية ذلك في حساسية الموضوع المطروح: فالإشاعات التي تمس المعتقدات الدينية تكتسب خطورة مضاعفة، إذ تستغل مشاعر الناس وتستدعي انحيازاتهم العاطفية. ولذلك، تتطلب «الأخبار التي تمس المعتقدات الدينية الحذر»، وضرورة عدم نشر المعلومات دون التحقق منها واحترام معتقدات الجميع.
قصة» روبرتو كارلوس» ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في عالم تغذيه الإشاعات وتحركه «ثقافة القطيع». لكنها تذكير بليغ بأن الحقيقة ليست ابنة الانتشار، وأن كثرة التداول لا تصنع الصدق. إن غياب الوعي النقدي يجعل من الجمهور أداة طيعة في أيدي مُطلقي الإشاعات، بينما الحضور الواعي للتفكير المستقل يحوِّل المتلقي من مجرد «تابع» إلى «محلِّل»، ومن جزء من «قطيع» إلى عقل يُسائل قبل أن يُصدِّق. وهذه هي الرسالة التربوية الأعمق التي تحملها هذه الواقعة: أن نُعلِّم أنفسنا وأجيالنا ألا نكون مجرد صدى لما يُقال، بل باحثين عن الحقيقة حيثما كانت.
التثبّت ليس (ترفاً) فكرياً بل هو مطلب إيماني وأخلاقي وتربوي قبل أن يكون وسيلة إعلامية..!





