
قد يحقق النادي مؤشرات الحوكمة، ويستوفي متطلبات الإفصاح، ويلتزم بالإجراءات والسياسات، ثم يتخذ قرارًا إستراتيجيًا واحدًا يكلّفه سنوات من العمل.
وهنا يظهر السؤال الذي أعتقد أنه يستحق أن نطرحه في المرحلة المقبلة من تطور الرياضة السعودية:
هل يكفي أن نعرف أن القرار اتُّخذ بطريقة نظامية، أم ينبغي أن نعرف أيضًا إن كان قرارًا جيدًا؟
شهد القطاع الرياضي السعودي خلال السنوات الماضية تطورًا واضحًا في مفهوم الحوكمة، وأصبحت الكفاءة والشفافية والمساءلة والاستدامة الإدارية والمالية عناصر أساسية في إدارة الأندية.
وهذه مرحلة مهمة.
لكن نجاحها يفتح الباب طبيعيًا أمام مرحلة أكثر تقدمًا: الانتقال من حوكمة الإجراءات إلى حوكمة القرار.
فاللوائح تستطيع أن تخبرنا: من يملك صلاحية اتخاذ القرار؟ وهل تم الإفصاح عنه؟ وهل مر بالقنوات الصحيحة؟
لكن هناك سؤالًا أصعب:
كيف نرفع جودة القرار نفسه قبل أن ندفع ثمنه؟
في الرياضة الحديثة، القرار لم يعد بسيطًا.
تعاقد واحد قد تكون له آثار مالية وفنية وتسويقية وقانونية وجماهيرية في الوقت نفسه، والاستثمار في منشأة قد يبدو ناجحًا اليوم، لكن السؤال الحقيقي هو عن تكلفته واستدامته واستخدامه بعد سنوات. وحتى تغيير الجهاز الفني أو إطلاق مشروع تجاري جديد قد يؤثر في سمعة النادي وقيمته وعلاقته بجماهيره.
لذلك أرى أن المرحلة القادمة تستحق إضافة أداة جديدة إلى التفكير في الحوكمة الرياضية السعودية، ويمكن أن نطلق عليها:
«اختبار القرار الرياضي»
ليس المقصود إنشاء مزيد من البيروقراطية، ولا إضافة نموذج ورقي جديد إلى ملفات الأندية.
بل العكس تمامًا.
الفكرة هي أن تخضع القرارات الاستراتيجية الكبرى فقط، قبل اعتمادها، لاختبار مختصر يجيب عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية:
هل توجد بيانات كافية لاتخاذ القرار؟
ما أثره المالي بعد عام وثلاثة أعوام، وليس في الموسم الحالي فقط؟
ما السيناريو الأسوأ إذا فشل القرار؟ وهل يستطيع النادي تحمّله؟
هل توجد مخاطر قانونية أو تشغيلية أو سمعة لم تؤخذ في الاعتبار؟
هل يوجد تعارض مصالح مباشر أو غير مباشر؟
ما أثر القرار على الرياضي والجمهور والجهات ذات العلاقة؟
ثم يأتي السؤال الذي أراه الأهم:
من يستطيع، بعد عام، أن يشرح لماذا اتُّخذ هذا القرار بناءً على المعلومات التي كانت متاحة وقتها؟
هذه النقطة تحديدًا تنقل الحوكمة من البحث عن المسؤول بعد وقوع المشكلة إلى بناء مسؤولية واضحة قبل اتخاذ القرار.
فالقرار الجيد ليس بالضرورة القرار الذي نجح.
قد يُتخذ قرار مهني ممتاز بناءً على معلومات وتحليل صحيحين ثم لا تحقق الظروف النتيجة المتوقعة.
وفي المقابل، قد ينجح قرار عشوائي مرة واحدة.
لذلك لا ينبغي أن نقيس جودة الإدارة بالنتيجة وحدها؛ بل أيضًا بجودة المنهج الذي أنتج القرار.
وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الحوكمة الحديثة.
فالهدف ليس صناعة إدارات تخشى اتخاذ القرار، وإنما صناعة مؤسسات تعرف لماذا تقرر، وعلى أي معلومات بنت قرارها، وما المخاطر التي قبلتها، وما البدائل التي استبعدتها.
وفي التجارب الدولية المتقدمة، أصبحت الحوكمة تتجاوز المفهوم التقليدي للرقابة، فهناك اهتمام متزايد بجودة مجالس الإدارة، وإدارة المخاطر، وتنوع الخبرات، والاستدامة، وإشراك أصحاب المصلحة، وربط المعلومات بالتخطيط طويل المدى.
والرياضة السعودية اليوم تملك فرصة مهمة ألا تكتفي باستيراد أفضل الممارسات، بل أن تطوّر أدواتها الخاصة التي تتناسب مع سرعة التحول الذي يعيشه القطاع.
ولهذا أقترح خطوة أبعد:
أن يكون لكل قرار استراتيجي كبير في النادي «أثر قرار» يمكن الرجوع إليه لاحقًا.
وثيقة قصيرة جدًا تحفظ ثلاثة أشياء:
ماذا كنا نعرف؟
لماذا قررنا؟
وماذا حدث بعد ذلك؟
وبعد عام، لا تُستخدم هذه الوثيقة للمحاسبة فقط، بل للتعلّم.
أي القرارات نجحت؟
أي الافتراضات كانت خاطئة؟
أين أخطأنا في تقدير المخاطر؟
وما الذي يجب أن تعرفه الإدارة المقبلة حتى لا تبدأ من الصفر؟
عندها يصبح لدى النادي مع مرور السنوات ما يمكن تسميته «ذاكرة القرار المؤسسي».
وهذه في رأيي قيمة كبيرة قد نفتقدها عندما تتغير الإدارات.
فالمؤسسة الناضجة لا تحتفظ بعقودها ومحاضر اجتماعاتها فقط؛ بل تحتفظ أيضًا بالمعرفة التي صنعت قراراتها.
ومع التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الرياضي السعودي، والاستثمار المتزايد، وتطور نماذج إدارة الأندية، فإن الحوكمة تستطيع أن تؤدي دورًا أكبر من كونها أداة للامتثال.
يمكن أن تصبح أداة لصناعة مؤسسات رياضية تتعلم من قراراتها، وتحمي مواردها، وتراكم معرفتها، وتفكر فيما بعد الموسم المقبل.
لقد نجحنا في جعل السؤال:
هل التزم النادي؟
وربما حان الوقت لإضافة سؤال أكثر صعوبة:
كيف اتخذ النادي قراره؟
لأن الحوكمة الحقيقية لا تبدأ بعد أن يقع الخطأ.
الحوكمة الأذكى تبدأ قبل أن يُتخذ القرار.
** **
– د. نورة عبدالله العمراني




