
بشاير الشريدة
في تاريخ الأندية، هناك من يروي بطولاته بالأرقام، وهناك من تُروى قيمته من الحكايات التي بقيت بعد أصحابها. والهلال جمع الاثنين.
تحتفظ الذاكرة الهلالية برواية شهيرة عن الأمير عبدالله بن سعد رحمه الله؛ أنه حين ضاقت بالنادي الالتزامات، رهن منزله حتى يعبر الهلال أزمته. قد تختلف تفاصيل الرواية من ناقل إلى آخر، لكن معناها ظل ثابتًا في وجدان الهلاليين: أن هذا النادي كان يجد دائمًا رجلًا مستعدًا لأن يدفع من ماله وراحته قبل أن يسمح للهلال أن يدفع ثمن أزمته.
وعبدالله بن سعد لم يحتج أصلًا إلى الروايات كي يثبت مكانه في تاريخ الهلال. الرجل الذي عُرف بـ«وجه السعد» ترأس الهلال في أكثر من فترة، وقاد الفريق إلى تسع بطولات، كما كان أول رئيس يقود الهلال إلى بطولة خارجية عندما حقق كأس أندية مجلس التعاون. وفي عهده تشكلت واحدة من أهم مراحل التحول في تاريخ النادي.
كان ذلك زمنًا مختلفًا؛ لم تكن الأندية شركات، ولا كرة القدم صناعة بمليارات الريالات، ولا توجد عقود رعاية واستثمارات بالحجم الذي نعرفه اليوم. كان النادي في كثير من الأحيان قائمًا على رجاله: رئيس يدفع، وعضو شرف يتدخل، وداعم يتحمل، ورجال يعتبرون استقرار الهلال شأنًا شخصيًا.
مرت الأعوام، وتغيرت كرة القدم. كبر الهلال، وكبرت معه فاتورته وطموحه وجمهوره وقيمة لاعبيه، لكن المدهش أن الشيء الذي لم يتغير هو وجود الرجل الذي يدفع حين يحتاج الهلال، ويتقدم حين تتسع المسافة بين الطموح والإمكانات.
واليوم، حين نبحث عن الامتداد الحديث لذلك المعنى، يبرز اسم الأمير الوليد بن طلال. ليس بوصفه اسمًا ظهر مع الخصخصة، بل داعمًا ارتبط بالنادي سنوات طويلة قبل أن تتحول العلاقة أخيرًا إلى ملكية واستثمار.
في مارس الماضي كشف الأمير نواف بن سعد أن ما قدمه الوليد بن طلال للهلال خلال سبع سنوات بلغ نحو مليار و950 مليون ريال. قرابة ملياري ريال من رجل واحد لنادٍ واحد. لكن الرقم، على ضخامته، ليس أهم ما في القصة؛ الأهم أن المال كان يدخل إلى منظومة تعرف ماذا تريد منه. فالمال قد يصنع صفقة، لكنه لا يصنع تاريخًا وحده. قد يمنحك موسمًا، لكنه لا يضمن لك ستة عقود من الحضور. وقد يأتيك داعم ثري، لكن الثروة لا تستطيع أن تشتري لك ذاكرة لم تعشها، ولا ثقافة فوز لم تبنها، ولا رجالًا يتعاقبون عليك جيلًا بعد جيل.
لهذا فإن قصة الهلال ليست قصة الوليد وحده، مثلما أنها لم تكن قصة عبدالله بن سعد وحده. إنها قصة تعاقب رجال؛ يرحل رجل فيترك الهلال لمن بعده أكبر مما وجده، ويأتي آخر فيضيف بطولة، وثالث يبني، ورابع يدفع، وخامس يفتح بابًا جديدًا. وهنا تكتمل الصورة. من رواية عن رجل يرهن بيته حتى يسدد التزامات الهلال، إلى شركة تدفع مئات الملايين لتملك غالبية شركة النادي. هذه ليست مجرد قفزة مالية، بل رحلة نادٍ كاملة.
ومن أجمل ما في هذه الرحلة أن الهلال لم يصل إلى هذه القيمة لأنه يعيش على الدعم وحده؛ بل لأن النادي نفسه أصبح أصلًا اقتصاديًا ضخمًا. وهنا يصبح العنوان أكثر من لعبة لغوية: من رهن البيت إلى مليارات الوليد.
في البداية كان الرجل يضع ممتلكاته خلف الهلال حتى يستمر، واليوم أصبح الهلال نفسه من الممتلكات التي يتنافس رأس المال على الاستثمار فيها. وهذا ربما أجمل تحول يمكن أن يحدث لنادٍ؛ أن ينتقل من مرحلة يحتاج فيها إلى رجل ينقذه من التزام، إلى مرحلة يصبح فيها امتلاكه فرصة استثمارية.
لكن لا ينبغي أن تخدعنا الأرقام فنعتقد أن المال هو سر الهلال. سر الهلال أقدم من ذلك بكثير. المال جاء لأن هناك ناديًا يستحق أن يوضع فيه المال. ولهذا لا خوف على الهلال حين تتغير الإدارات، ولا حين يرحل لاعب، ولا حتى حين تتغير ملكيته ونموذجه الاقتصادي. التاريخ يقول إن قوته لم تكن معلقة يومًا باسم واحد؛ رحل عبدالله بن سعد وبقي الهلال، ورحل رؤساء عظماء وبقي الهلال، وتبدلت أجيال كاملة من اللاعبين وبقي الهلال.
هذه ليست ثقة بأن كل مباراة ستُكسب، ولا أن كل صفقة ستنجح، بل ثقة في تاريخ المؤسسة، وفي قدرة هذا النادي على إعادة إنتاج قوته، وعلى أن يجد في كل حقبة الرجال المناسبين لحجم تلك الحقبة.
حين كان الهلال يحتاج تضحية فردية، وجد عبدالله بن سعد وأمثاله. وحين أصبحت كرة القدم عالم استثمار بمليارات الريالات، وجد الوليد. تغيرت الوسيلة، وبقي المعنى.
من عبدالله بن سعد الذي تحفظ الذاكرة الهلالية حكاية منزله، إلى الوليد بن طلال وملياراته، تغيرت قيمة الشيكات كثيراً.
لكن قيمة الهلال لم تكن يومًا في الشيك.




