
يعقوب المطير
لم تكن استضافة مدينة جدة لبطولة كأس الخليج العربي «خليجي 27» مجرد استضافة لمباريات كرة قدم، بقدر ما بدت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المدينة على تقديم تجربة رياضية وسياحية وثقافية متكاملة، قبل أشهر قليلة من موعد أكبر وأكثر اتساعًا، عندما تستقبل جدة جانبًا من منافسات كأس آسيا 2027.
وللمرة الأولى في تاريخ البطولة الخليجية، تحتضن جدة منافسات كأس الخليج، التي انطلقت في 23 سبتمبر وتستمر حتى 6 أكتوبر 2026، بمشاركة المنتخبات الخليجية الثمانية، وعلى اثنين من أبرز ملاعب المدينة: ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية، واستاد الأمير عبدالله الفيصل. لكن نجاح أي مدينة في استضافة بطولة كبرى لا يُقاس بما يحدث داخل المستطيل الأخضر وحده. فالملعب يمثل جزءًا من المشهد، بينما تبدأ تجربة المشجع منذ وصوله إلى المدينة، مرورًا بتنقلاته وسكنه وخياراته السياحية والترفيهية، وصولًا إلى دخوله الملعب وعودته منه. وهنا تحديدًا ظهرت إحدى أهم نقاط القوة التي تمتلكها جدة: المدينة نفسها جزء من البطولة.
جدة التاريخية.. حين يلتقي إرث المكان بكرة القدم
اختيار «جدة التاريخية» لاحتضان مراسم قرعة خليجي 27 لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. فقد أُقيمت القرعة في ميدان الثقافة بمركز الفنون التابع لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وسط حضور رياضي ورسمي وإعلامي خليجي، في مشهد جمع بين تاريخ بطولة كأس الخليج والإرث الثقافي لمدينة جدة. ووصف الاتحاد السعودي لكرة القدم المناسبة بأنها حولت جدة التاريخية إلى «مسرح خليجي»، كما أُطلق خلالها الشعار اللفظي للبطولة «أهلًا بالخليج». وهذه الصورة تختصر جزءًا كبيرًا من فلسفة الاستضافة الحديثة للأحداث الرياضية. الجماهير التي تأتي من الكويت أو العراق أو عُمان أو الإمارات أو قطر أو البحرين أو اليمن لا تبحث بالضرورة عن مباراة كرة قدم فقط؛ إنها تزور مدينة جديدة، وتريد أن تعيش تجربتها. وفي جدة، يجد الزائر أمامه مدينة تاريخية عريقة، وواجهة بحرية ممتدة على البحر الأحمر، وكورنيشًا ومرافق ترفيهية ومطاعم ومراكز تجارية وفنادق وخيارات متعددة للإقامة والضيافة.
وهنا تتحول البطولة من 90 دقيقة داخل الملعب إلى تجربة مدينة كاملة.
البحر والتاريخ والرياضة
ميزة جدة أنها لا تحتاج إلى صناعة هوية سياحية مؤقتة من أجل البطولة. هويتها موجودة أصلًا. من جدة التاريخية ورواشينها وأزقتها، إلى البحر الأحمر والكورنيش، وصولًا إلى الواجهة البحرية ومرافق اليخوت والمنتجعات والفنادق ومراكز التسوق؛ يستطيع المشجع أن يضع برنامجًا كاملًا ليومه قبل المباراة وبعدها. وهذا عامل مهم في اقتصاد البطولات الرياضية الحديثة، لأن نجاح الحدث لا ينعكس على الملعب فقط، وإنما يمتد إلى الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والترفيه والأنشطة السياحية. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لاستضافة «خليجي 27» تتجاوز معرفة المنتخب الذي سيرفع الكأس في السادس من أكتوبر. المكسب الآخر هو اختبار المدينة نفسها تحت ضغط حدث رياضي إقليمي.
«خليجي 27».. اختبار قبل الموعد الآسيوي
بعد أشهر قليلة، سيكون الاختبار أكبر. فالسعودية تستضيف كأس آسيا للمرة الأولى، خلال الفترة من 7 يناير إلى 5 فبراير 2027، بمشاركة 24 منتخبًا، وتوزع المنافسات بين الرياض وجدة والخبر. وجدة ستكون إحدى المدن الرئيسة في البطولة القارية. واللافت أن الملعبين اللذين يستضيفان مباريات خليجي 27 حاليًا – مدينة الملك عبدالله الرياضية واستاد الأمير عبدالله الفيصل – مدرجان كذلك ضمن الجدول الرسمي لمباريات كأس آسيا 2027؛ إذ خُصصت لهما مباريات في دور المجموعات والأدوار الإقصائية. وهنا تزداد أهمية خليجي 27. فالحديث لم يعد عن بطولة مستقلة تنتهي بتتويج البطل، بل عن فرصة تشغيلية ثمينة لاختبار الكثير من التفاصيل قبل الموعد القاري: حركة الجماهير، الدخول والخروج من الملاعب، التذاكر، الخدمات، النقل، الإعلام، الأمن، المتطوعون، الضيافة، وتجربة المشجع بصورة عامة. وكل ملاحظة تظهر اليوم يمكن أن تتحول إلى تحسين في يناير المقبل.
بهذا المعنى، فإن خليجي 27 أشبه ببروفة حقيقية لجدة قبل كأس آسيا.
من «أهلًا بالخليج» إلى «أهلًا بآسيا»
وربما أجمل ما في التجربة أن الانتقال يبدو طبيعيًا. في سبتمبر وأكتوبر تقول جدة: «أهلًا بالخليج». وبعد نحو ثلاثة أشهر، سيكون عليها أن تقول: «أهلًا بآسيا». والفارق بين البطولتين كبير من حيث عدد المنتخبات والمباريات والجماهير الدولية ومتطلبات التشغيل، ولذلك لا ينبغي اعتبار نجاح تنظيم بطولة الخليج – حتى لو اكتمل بالصورة المأمولة – شهادة تلقائية بأن كل تحديات كأس آسيا قد حُسمت. لكنه بالتأكيد يوفر تجربة عملية مهمة جدًا قبل الحدث الأكبر. الاتحاد الآسيوي لكرة القدم أكد أن كأس آسيا 2027 ستقام في ثلاث مدن هي الرياض وجدة والخبر، كما شددت اللجنة المنظمة للبطولة على أهمية تطبيق معايير عالمية في التنظيم.
ومن هنا تصبح خليجي 27 فرصة لقياس الجاهزية على أرض الواقع، لا على الورق.
جدة.. المدينة جزء من الحدث
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم حتى الآن. نجاح الاستضافة الرياضية لم يعد يعني أن تمتلك مدينة ملعبًا جميلًا وفندقًا للمنتخبات وحافلات تنقل الجماهير. المدن الرياضية الناجحة هي التي تجعل المدينة نفسها جزءًا من ذاكرة البطولة. أن يتذكر المشجع المباراة، ويتذكر معها المكان. أن يتذكر المدرج، ثم يتذكر البحر. أن يتذكر هدفًا سجله منتخب بلاده، ثم يتذكر ليلة قضاها بين رواشين جدة التاريخية. وأن يعود إلى بلده وهو يحمل صورة عن المدينة، لا عن النتيجة فقط. وهذه بالتحديد فرصة جدة. فهي تمتلك ملعبين قادرين على احتضان الأحداث الكبرى، وفي الوقت ذاته تمتلك شخصية سياحية مختلفة: التاريخ في جهة، والبحر في جهة أخرى، وبينهما مدينة نابضة بالخدمات والضيافة والترفيه.
وإذا استمرت تجربة خليجي 27 حتى السادس من أكتوبر بالمستوى التنظيمي المأمول، مع رصد الملاحظات ومعالجتها قبل يناير، فإن البطولة الخليجية ستكون قد حققت هدفًا إضافيًا يتجاوز كأسها ونتائجها:
أن تمنح جدة اختبارًا حقيقيًا قبل آسيا 2027. لقد جاءت جماهير الخليج إلى جدة هذه المرة من أجل «خليجي 27»، وبعد أشهر قليلة ستأتي جماهير القارة من أجل كأس آسيا. وبين الموعدين رسالة واحدة يمكن أن تقدمها المدينة: من جدة التاريخية إلى مدرجات كرة القدم، ومن البحر الأحمر إلى الملاعب.. جدة ليست مجرد مدينة تستضيف البطولة؛ بل مدينة تستطيع أن تكون جزءًا من البطولة نفسها.




