
صالح القبلان
في زمن أصبحت فيه بعض الآراء تُقاس بمدى توافقها مع الرغبات، يواجه الكاتب المستقل اختبارًا حقيقيًا؛ فهناك من لا يراه عادلًا ومنصفًا إلا عندما يقول ما يوافق قناعاته، فإذا خالفه الرأي أو انتقد من يحب، تغيّرت الأحكام عليه، وأصبح فجأة «غير موضوعي» و»منحازًا».
وهنا تكمن المشكلة؛ فالقضية ليست في الاختلاف، فالاختلاف في الرأي سنة طبيعية، بل ضرورة لأي مجتمع حي وصحي، وإنما في أن يتحول الحكم على الكاتب من تقييم مهنية طرحه إلى تقييم مدى توافقه مع أهواء المتلقي.
الأخطر من ذلك هو أن تتحول بعض المواقف إلى انتقائية مكشوفة؛ فإذا جاء النجاح من شخص أو جهة محبوبة، تضخمت الإشادة ونُسب إليها كل فضل، أما إذا وقع الخطأ أو حدث الإخفاق، بدأت عملية البحث عن الأعذار والمبررات، وتحولت المسؤولية إلى أطراف أخرى.
وفي المقابل، إذا كان الشخص أو الجهة لا تملك القدرة على بناء العلاقات مع بعض الإعلام أو أصحاب النفوذ والتأثير، فقد يحدث العكس تمامًا؛ تُضخّم أخطاؤه، وتُنسب إليه كل السلبيات، بينما تُهمّش إنجازاته وتُنسب إيجابياته إلى غيره.
وهنا لا تعود المسألة إعلامًا أو نقدًا، بل تصبح إدارة للصورة وتوجيهًا للرأي العام؛ من يجيد صناعة العلاقات قد يحصل على مساحة أكبر من الإنصاف، ومن لا يجيدها قد يدفع ثمنًا مضاعفًا حتى لو كان أداؤه أفضل.
لكن الكاتب الحقيقي لا ينبغي أن يكون جزءًا من هذه المعادلة.
الكاتب المستقل لا يكتب بعقلية «من معي ومن ضدي»، ولا يقيس موقفه بحجم التصفيق الذي سيحصل عليه، ولا يجعل غضب البعض أو رضاهم معيارًا لصحة ما يكتب. مهمته أن يقرأ المشهد كما هو، لا كما يرغب الآخرون أن يكون.
يثني عندما يرى نجاحًا، وينتقد عندما يرى خللًا، ويقول الحقيقة حتى عندما لا تكون مريحة. فالإنصاف ليس أن تمدح من تحب وتبحث له عن الأعذار، ثم تلاحق من تختلف معه بكل خطأ؛ الإنصاف الحقيقي أن تستخدم المعيار نفسه مع الجميع. والحياد لا يعني أن يكون الكاتب بلا رأي، فالكاتب بلا رأي ليس موضوعيًا بالضرورة، كما أن صاحب الرأي ليس منحازًا بالضرورة. الموضوعية هي أن يكون الرأي قائمًا على الوقائع والمنطق والمعايير الواضحة، بعيدًا عن الشخصنة، والمصالح، وتصفية الحسابات، والمواقف المسبقة.
ومن أكثر ما يسيء للمشهد أن يصبح بعض المتابعين أسرى للكاتب الذي يقول ما يحبون، فيرفعونه إلى مرتبة «الموضوعي» ما دام يوافقهم، ثم ينقلبون عليه بمجرد أن يختلف معهم. وكأن الموضوعية أصبحت شهادة تُمنح لمن يوافقنا، وتسحب ممن يخالفنا!
الحقيقة أن الكاتب لا يُقاس بعدد من يصفقون له، ولا بعدد من يختلفون معه، وإنما بقدرته على الحفاظ على ثبات المعيار مهما تغير الأشخاص والمواقف. قد تخطئ في رأيك، وهذا حق بشري، وقد تصيب، لكن الخطأ الأكبر أن تغيّر رأيك فقط لأن الشخص تغيّر، أو لأن مصالحك تغيّرت، أو لأن الجمهور لم يعجبه ما كتبت. فالكاتب الذي يحترم قلمه لا يجعله منصة للدفاع عن الأشخاص، ولا أداة للهجوم على الخصوم، ولا جسرًا للوصول إلى أصحاب النفوذ. القلم أمانة، وأقوى ما يملكه الكاتب هو استقلاله.
الأشخاص يتغيرون، والمصالح تتبدل، والتحالفات تتبدل معها المواقف، لكن الكلمة الصادقة تبقى. وفي النهاية، ليست قيمة الكاتب في أن يرضي الجميع؛ فهذا مستحيل، وإنما في أن يظل قادرًا على النظر إلى الحقيقة بعين واحدة عندما يكون النقد موجّهًا لمن يحب، كما يكون عندما يختلف معه. لأن الكاتب الذي يبيع موقفه من أجل التصفيق قد يكسب جمهورًا مؤقتًا، لكنه يخسر أهم ما يملك: احترام قلمه وثقة القارئ. أما الكاتب المستقل، فقد يخسر بعض التصفيق، لكنه يكسب شيئًا أبقى وأهم: أن يكتب ما يراه حقًا، لا ما يريد الآخرون سماعه.




