
محمد بن عبدالله العتيق
ربما لا يوجد وصف أدق لحالة الضجيج التي تصاحب كل نجاح هلالي، وكل صفقة يبرمها النادي، وكأن المطلوب من الهلال في كل مرة أن يقدم تفسيرًا لنجاحه، وأن يثبت أن ما يملكه من دعم وموارد أمر مشروع، بينما يتعامل البعض مع نجاح الآخرين باعتباره أمرًا يستوجب التشكيك. والسؤال البسيط الذي يجب أن يبدأ منه كل نقاش مهني: أين الدليل؟ وهنا يحضر بيت الشاعر رشيد الزلامي رحمه الله:
يسبك الذي عاجز عن دروبك
لا فاعلا فعلك ولا هو مجنبك
وكأن هذا البيت يصف حال من عجز عن بلوغ ما بلغه غيره، فلم يجد أمامه إلا انتقاد الناجح والتشكيك في نجاحه، بدل أن يسأل نفسه السؤال الأهم: ماذا فعلت أنا حتى أصل إلى ما وصل إليه؟
الأمير الوليد بن طلال ليس اسمًا طارئًا على الهلال، ولا ظهوره في المشهد الرياضي مرتبطًا بالمرحلة الحالية. فدعم الأمير للرياضة السعودية معروف منذ سنوات، ودعمه للهلال تحديدًا يأتي في سياق علاقة طويلة بين رجل محب لناديه وكيان ارتبط به وجدان جماهيره ورجاله لعقود. ومن يريد أن يفهم هذه العلاقة، فليعد إلى التاريخ.
الهلال لم ينتظر الصندوق، ولم تبدأ علاقته بالنجوم مع منظومة الاستقطاب الحديثة. يكفي أن نتذكر استقطاب النجم البرازيلي الكبير ريفيلينو إلى الهلال في سبعينيات القرن الماضي، في زمن لم تكن فيه الإمكانات والمنظومات الموجودة اليوم، وكان ذلك بدعم من عضو شرف هلالي محب لناديه.
هذه ليست تهمة، بل ميزة صنعتها علاقة امتدت لعقود. لكن المثير للانتباه أن بعض الأصوات التي تتساءل اليوم عن مصدر تمويل صفقات الهلال لم تكن تطرح الأسئلة نفسها عندما كانت أنديتها تضم نجومًا عالميين من مختلف الأندية الكبرى في العالم. وهنا سؤال لا يحتاج إلى كثير من التعقيد: من موّل تلك الصفقات؟ ومن تعاقد مع أولئك النجوم؟
عندما بدأت مرحلة الاستقطاب والاستحواذ، كان الهلال في بدايتها يتعاقد مع أسماء لم تكن في مستوى النجوم العالميين الذين امتلأت بهم قوائم أندية أخرى، وكانت تلك الأندية تملك لاعبين كبارًا، وتستبدلهم وتضيف غيرهم متى شاءت. فلماذا لم نسمع وقتها هذا المستوى من التساؤلات؟ وإذا كانت الإجابة أن تلك الصفقات جاءت بدعم من أعضاء شرف أو شركات أو جهات داعمة، فأين هذه الجهات اليوم؟ وأين كانت عندما دخلت بعض الأندية في أزمات مالية، وعجزت حتى عن الوفاء ببعض الالتزامات أو تجديد عقود لاعبين محليين؟
لماذا يصبح الدعم طبيعيًا ومشروعًا عندما تستفيد منه أندية أخرى، ثم يتحول إلى علامة استفهام عندما يكون المستفيد هو الهلال؟ هذه ليست دعوة للتشكيك في الآخرين، وإنما مطالبة بمعيار واحد في النقاش.
إذا كانت الشفافية مطلوبة، فهي مطلوبة من الجميع، وإذا كان السؤال مشروعًا، فهو مشروع على الجميع. وهنا تأتي القوائم المالية باعتبارها المرجع الحقيقي، لا الأحاديث المتداولة ولا التفسيرات الشخصية. فمن يريد معرفة أين ذهبت الأموال، ومن موّل الصفقات، وكيف أديرت الموارد، فليكن النقاش قائمًا على الوثائق والقوائم المالية، لا على الظنون. أما أن تتحول الشائعة إلى حقيقة لمجرد أنها تكررت كثيرًا، فهذه ليست شفافية، بل صناعة للشك.
ثم هناك حقيقة أخرى يجب ألا تغيب: الهلال ليس مسؤولًا عن تعثر منافسيه.
ليس مسؤولًا عن أخطاء إدارة أخرى، ولا عن قرارات مالية اتخذتها إدارات أخرى، ولا عن تراكم الديون، ولا عن سوء استثمار الموارد، ولا عن غياب الداعم. عندما تتراكم الالتزامات على ناد، فالسؤال الصحيح هو: كيف أديرت موارده؟
أما تحويل الهلال إلى شماعة لكل إخفاق، فلن يعالج مشكلة ولن يعيد بطولة.
طهروا قلوبكم قبل أن تطالبوا بتطهير المنافسة. أزيلوا هذا السواد المتراكم على القلوب، وهذا الحقد وهذا الحسد الذي، والله، لم يزدكم إلا خذلانًا، ولم يزد فرقكم إلا تأخرًا ورجعية.
اسألوا أنفسكم بصدق: لماذا الهلال ناجح؟ ولماذا تسير أموره بهذا التوفيق؟
وسبحان الله، قد يكون من أسباب التوفيق أن النفوس التي تقف خلف هذا الكيان لا ترى نجاحها في إسقاط الآخرين، ولا ترى أن إضعاف المنافس بطولة بحد ذاتها. فالنوايا يعلمها الله، لكن الناس ترى المواقف، وترى من يقف مع ناديه، ومن يقف مع الرياضة، ومن يرى أن الميدان يتسع للجميع. وهنا يعود بنا التاريخ مرة أخرى إلى رجل ارتبط اسمه بالهلال، لكنه لم يحصر عطاؤه في الهلال وحده.




