اخر الاخبار

رغم التوترات الإقليمية والعالمية.. لماذا لم يهتز ربط الريال بالدولار؟


يُعد سعر الصرف المؤشر الاقتصادي الأكثر حساسية لتقلبات الثقة، إذ تعكس أسواق العملات حقيقة الموقف المالي بصورة فورية ومباشرة. ورغم تعرض الاقتصاد السعودي لاختبارات دقيقة شملت تعطل الملاحة في مضيق هرمز واستهداف خطوط الأنابيب والمنشآت وتراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.7% في الربع الثاني من العام الحالي، فقد واصل سعر الصرف الرسمي استقراره عند مستوى 3.75 ريالات للدولار، وهو المستوى المعتمد منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

وتكشف القراءة المدققة في جداول البنك المركزي، وأحدثها النشرة الإحصائية لشهر سبتمبر 2026، عن المرتكزات الفنية والنقدية التي حالت دون اهتزاز هذا الربط.

المرتكزات النقدية والغطاء المالي لربط العملة

يوضح البنك المركزي، أن ربط الريال بالدولار يمثل خيارًا استراتيجيًا أسهم في نمو الاقتصاد على مدى أكثر من ثلاثة عقود، مؤكدًا التزامه بضمان استقرار سعر الصرف عند 3.75 ريالات للدولار باعتباره ركيزة للاستقرار النقدي، ومستندًا في ذلك إلى متانة احتياطيات النقد الأجنبي وقدرتها على تلبية كافة الالتزامات الخارجية للمملكة.

وأكد محافظ البنك المركزي أيمن بن محمد السياري، خلال مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة في 9 فبراير 2026، أن تثبيت سعر الصرف المدعوم باحتياطيات معتبرة حافظ على استقرار الأسعار، مبقيًا متوسط التضخم السنوي دون 3% خلال السنوات الخمس الماضية.

ويستند الدفاع عن العملة إلى معادلة حسابية مسجلة في النشرة الإحصائية للبنك المركزي لشهر سبتمبر 2026، حيث بلغت القاعدة النقدية 440.99 مليار ريال بنهاية سبتمبر بنمو سنوي قدره 3.7% مقارنة بنحو 425.11 مليار ريال في الشهر نفسه من العام السابق، في حين سجل صافي الموجودات الأجنبية للبنك المركزي 1.660 تريليون ريال وفق جدول المسح النقدي.

وبذلك تعادل الأصول الأجنبية الصافية نحو 3.8 أضعاف النقد المصدر، ما يمنح السلطة النقدية هامش تغطية مريح لحماية سعر الصرف.

وتكشف حركة الأصول الأجنبية في سبتمبر 2026 عن انخفاض صافي الموجودات بنسبة 4.6% للشهر الثالث على التوالي، إلا أن بيانات البنك المركزي تظهر أن بند الاستثمارات في أوراق مالية بالخارج صعد إلى 1.159 تريليون ريال مقارنة بنحو 1.027 تريليون ريال في يناير مسجلًا أعلى مستوياته خلال العام، بينما تركز التراجع في الودائع لدى البنوك بالخارج التي هبطت من 371.9 مليار ريال في أغسطس إلى 294.6 مليار ريال في سبتمبر، ما يعكس إعادة توزيع لمكونات المحفظة الاستثمارية ضمن إدارة الأصول.

هيكل الدين العام ومصادر تمويل الخزينة

تظهر بيانات وزارة المالية بنهاية الربع الأول من عام 2026 أن إجمالي الدين العام بلغ 1.67 تريليون ريال، يستحوذ الدين المحلي على 1.04 تريليون ريال منه بنسبة تقارب 62%، في حين يبلغ الدين الخارجي 624.4 مليار ريال.

ويحد تركز الدين بالعملة المحلية من الضغوط على النقد الأجنبي، نظرًا لسداد التزاماته وتدويرها محليًا دون الحاجة إلى تحويلات دولارية.

وعزز المركز الوطني لإدارة الدين هذا التوجه بإغلاق إصدارات صكوك محلية بالريال على مدار العام، شملت 2.269 مليار ريال في يناير، و16.946 مليار ريال في أبريل، و2.418 مليار ريال في مايو، و10.576 مليار ريال في يونيو، و1.640 مليار ريال في سبتمبر موزعة على ست شرائح تستحق بين عامي 2029 و2041.

وعلى صعيد السيولة الحكومية، توضح بيانات المسح النقدي الصادرة عن البنك المركزي أن تمويل الاحتياجات المالية تم عبر استخدام الأرصدة النقدية القائمة وتفادي التمويل التضخمي بطباعة النقد، حيث تراجعت ودائع الحكومة لدى البنك المركزي بنسبة 18.4% لتبلغ 322.56 مليار ريال بنهاية سبتمبر 2026 مقارنة بنحو 395.28 مليار ريال في سبتمبر 2025.

وأظهرت ميزانية البنك المركزي انخفاض بند ودائع الهيئات والجهات الحكومية وشبه الحكومية إلى 368.36 مليار ريال في الربع الثالث من 2026 مقارنة بنحو 438.45 مليار ريال في الفترة المقابلة من العام السابق.

وتماشيًا مع التزامات تثبيت سعر الصرف، رفع البنك المركزي في 16 سبتمبر 2026 معدل اتفاقيات إعادة الشراء بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.50% ومعدل اتفاقيات إعادة الشراء المعاكس إلى 4.00%، متوافقًا مع قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الصادر في اليوم نفسه لمواءمة السياسة النقدية.

مسارات الإمداد والمؤشرات الائتمانية والقطاع المصرفي

حافظت التدفقات المالية بالدولار على استمراريتها مستفيدة من صعود أسعار النفط فوق مستوى مئة دولار للبرميل، إلى جانب استخدام مسارات تصدير بديلة عبر البحر الأحمر لتعويض تراجع الشحنات المارة عبر الخليج.

وأكد صندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 قدرة الاقتصاد السعودي على التكيف اللوجستي وتجاوز اختناقات الشحن، ما حد من انعكاس الصدمة على ميزان المدفوعات وسعر الصرف.

وأظهرت النشرة الإحصائية للبنك المركزي نمو الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص بنسبة 6%، مرتفعًا من 3.135 تريليونات ريال في سبتمبر 2025 إلى 3.324 تريليونات ريال في سبتمبر 2026، ما يبرز مواصلة البنوك تمويل النشاط الاقتصادي.

واقترن ذلك باستقرار الجدارة الائتمانية السيادية لدى وكالات التصنيف الدولية، إذ ثبتت وكالة «موديز» تصنيف المملكة عند Aa3 في مايو، وأكدت وكالة «فيتش» تصنيفها عند A+ في يوليو، في حين ثبتت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف عند A+/A-1 بنظرة مستقبلية مستقرة، بالتزامن مع تسجيل القروض المتعثرة أدنى مستوياتها في عقد بنسبة 1% وفق بيانات صندوق النقد الدولي.

المشهد الاقتصادي الكلي وتكاليف تثبيت الصرف

سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بنسبة 3.0% في الربع الأول من عام 2026 بدعم من توسع الأنشطة النفطية وغير النفطية بنسبة 2.9% لكل منهما والأنشطة الحكومية بنسبة 1.5% وفق تقرير أبرز التطورات الاقتصادية الصادر عن البنك المركزي.

وسجلت تقديرات الهيئة العامة للإحصاء انكماشا في الربع الثاني بنسبة 4.7% متأثرة بهبوط الأنشطة النفطية بنسبة 24.8% بمساهمة سالبة بلغت 5.4 نقاط مئوية، في حين حققت الأنشطة غير النفطية والحكومية نموًا بنسبة 0.9% لكل منهما.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء استقرار التضخم السنوي لشهر سبتمبر عند 1.9% مع ثبات شهري عند 0.0%، مدفوعًا بزيادة تكاليف السكن والمياه والكهرباء بنسبة 3.6% والنقل بنسبة 2.3% والأغذية بنسبة 1.4%.

وذكر المحافظ أيمن بن محمد السياري في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في سبتمبر أن متوسط التضخم بلغ 1.8% في الأشهر السبعة الأولى من العام.

وفي جانب التوظيف، بلغت البطالة الإجمالية 3.1% في الربع الأول من 2026، مسجلة 6.4% بين المواطنين السعوديين وفق البيانات الرسمية التي أوردها المحافظ، مقارنة بنحو 7.2% في عام 2025 بحسب التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 ونحو 12.3% في عام 2016.

وتعكس بيانات وزارة المالية انخفاض عجز الميزانية في الربع الثاني من 2026 إلى 34.3 مليار ريال مع بلوغ الإيرادات غير النفطية 153.7 مليار ريال مشكلة 45.4% من الإجمالي، مقارنة بعجز قدره 125.7 مليار ريال في الربع الأول، فيما يقدر عجز الميزانية السنوي بنحو 165 مليار ريال بنسبة 3.3% من الناتج المحلي، ويستقر الدين العام عند 32.7% منه.

تم نشر هذه المقالة رغم التوترات الإقليمية والعالمية.. لماذا لم يهتز ربط الريال بالدولار؟ للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.


اقرأ على الموقع الرسمي

زر الذهاب إلى الأعلى
إنضم لقناتنا على تيليجرام