
فهد المطيويع
نعرف أن المناكفات الإعلامية ومناكفات الجماهير جزء من لعبة كرة القدم، بل إن بعضها يضيف للمنافسة شيئا من الإثارة والحماس، طالما بقي في حدود الروح الرياضية ولم يتحول إلى إساءة أو تجريح أو خروج عن المألوف. وهذا ليس أمرًا جديدًا أو خاصًا بدورينا، فالمنافسات الرياضية في جميع أنحاء العالم تشهد مثل هذه المناكفات، وتبقى في النهاية جزءًا من التنافس الذي يصنع الحماس ويزيد من اهتمام الجماهير.
لكن أن يصل الأمر ببعض المتعصبين إلى الشماتة في مصاب لاعب لمجرد أنه لاعب في الهلال، أو أن يستغل البعض وفاة شخص عزيز على لاعب ليحولوا حزنه إلى مادة للسخرية والتشفي، فهنا لا نتحدث عن منافسة رياضية ولا عن مناوشة جماهيرية يمكن تجاوزها بابتسامة، وإنما نتحدث عن سلوك مؤسف يتجاوز حدود الرياضة، ويصطدم مع أبسط قواعد الإنسانية قبل أن يصطدم مع أخلاق المنافسة.
روبين نيفيز لاعب كرة قدم، والهلال فريق ينافس بقية الأندية، ومن حق أي مشجع أن يختلف معه، وأن ينتقد مستواه، وأن يفرح بخسارة فريقه، وأن يحتفل بفوز فريقه على الهلال.
كل ذلك مفهوم في كرة القدم. لكن روبين نيفيز، قبل أن يكون لاعبًا، هو إنسان له مشاعر وأحزان وذكريات وعلاقات، وعندما يفقد شخصًا عزيزًا عليه، فإن حزنه لا علاقة له بكرة القدم، ولا ينبغي أن يكون مادة للمناكفة أو وسيلة لتحقيق انتصار وهمي على لاعب أو ناد. وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين التعصب الرياضي والابتذال الرياضي.
التعصب قد يجعلك تتمنى خسارة منافسك، أما الابتذال فيجعلك تبحث عن ألمه لتضحك عليه. التعصب قد يجعلك تفرح عندما يخسر المنافس بطولة، أما انعدام الأخلاق فيجعلك تشمت في مصيبته الإنسانية. والفارق بين الاثنين كبير جدًا. ولعل أجمل ما في هذه القضية، رغم قسوة المشهد، كان في ردود الفعل الرافضة لهذا السلوك إذ لم يكن الرفض هلاليًا فقط، وإنما جاء من أصوات ومؤسسات رياضية مختلفة، وأكد أن ما حدث لا يمثل الروح الرياضية التي يفترض أن تكون عليها المنافسة، ولا يعكس الصورة التي نريدها لرياضتنا ومجتمعنا. وهذا الرفض مهم جدًا، لأنه يبعث برسالة واضحة المنافسة لها حدود، والإنسانية ليست مادة للمنافسة.
نحن اليوم لا نتحدث عن دوري محلي مغلق على نفسه دوري روشن أصبح محط أنظار العالم، والأنظار لا تتابع ملاعبنا فقط، وإنما تتابع كل ما يحدث حولها أيضًا. وجود نجوم عالميين وأسماء كبيرة جعل من دورينا منتجًا رياضيًا عالميًا، وبالتالي فإن تصرفًا فرديًا قد لا يتوقف أثره عند حدود المدرج أو منصة إلكترونية، بل قد يصل إلى أبعد مما يتخيل صاحبه. ولهذا فإن مسؤولية الجمهور والإعلام أصبحت أكبر من السابق.
لم يعد مقبولًا أن يقول أحدهم مجرد تغريدة أو مجرد مزحة أو مجرد استفزاز. فالكلمة عندما تخرج إلى الفضاء العام تصبح قابلة للانتشار والتأويل والتداول، وقد تكشف عن صاحبها أكثر مما تكشف عن الشخص الذي يحاول الإساءة إليه. والأغرب من ذلك أن البعض لا ينتظر حتى تنتهي القضية، ولا يهتم بما إذا كانت الإساءة مقبولة أو مرفوضة، وإنما يبحث عن أي فرصة لتسجيل حضوره، خصوصًا إذا كان الموضوع له علاقة بالهلال أو بأحد لاعبيه.
وكالعادة، يظهر لنا أصحاب الحضور الإجباري! أناس يعشقون الظهور بكل ما أوتوا من قوة، وكأن الغياب عن أي قضية تخص الهلال يمثل خسارة شخصية لهم. لا يهمهم كثيرًا مضمون القضية، ولا أين تقف الأخلاق منها، ولا ما إذا كان الكلام الذي سيقولونه يسيء إليهم قبل أن يسيء إلى غيرهم؛ المهم أن يسجلوا مشاركة، وأن يقولوا شيئًا، وأن يثبتوا حضورهم في المشهد. هؤلاء تحديدًا هم من يحولون أي قضية إلى قضية هلالية، حتى لو لم تكن لها علاقة بالهلال أصلًا!.
إذا فاز الهلال، بحثوا عن سبب يفسدون به فرحة الفوز. إذا خسر الهلال، احتفلوا وكأنهم حققوا بطولة. إذا تعاقد الهلال مع لاعب، أصبح التعاقد قضية. إذا دعم الهلال أحد، أصبح الدعم موضع تشكيك. وإذا تعرض أحد لاعبي الهلال لمصيبة إنسانية، وجد بعضهم فيها فرصة جديدة للحديث والسخرية والإسقاط! وهنا يصبح السؤال: إلى أي درجة يمكن أن يصل الخصام مع الهلال؟ هل أصبح اسم الهلال عند البعض كافيًا لإلغاء كل القواعد؟ هل أصبح اللاعب الذي يرتدي قميص الهلال مستحقًا لأي شيء، حتى الشماتة في أحزانه ومصائبه؟.
إذا كانت الإجابة نعم، فالمشكلة لم تعد في الهلال ولا في لاعبيه، وإنما في أولئك الذين أصبح الهلال بالنسبة لهم مرضًا عضالًا لا يستطيعون التخلص منه. هناك فرق بين أن تكون منافسًا للهلال وأن تكون مأزومًا من الهلال.
المنافس ينافسك داخل الملعب أما المأزوم، فيبحث عن الهلال خارج الملعب أيضًا، ويتابع أخباره، ولاعبيه، وإدارته، وجمهوره، وكل تفاصيله، ثم يبحث عن أي ثغرة يستطيع من خلالها تسجيل موقف أو إطلاق تعليق أو صناعة ضجة. والأكثر طرافة أن بعض هؤلاء يظنون أنهم عندما يسيئون إلى الهلال أو لاعبيه فإنهم ينتصرون عليهم، بينما الحقيقة أنهم يقدمون صورة عن أنفسهم لا عن الهلال. على أي حال، الهلال لا يحتاج إلى الرد على كل إساءة، وروبين نيفيز ليس بحاجة إلى أن يدخل في معركة مع كل من حاول استفزازه. فالهلال سيبقى منافسًا داخل الملعب، وستبقى المنافسة مفتوحة، وسيبقى من حق الجميع أن يختلف معه وأن ينتقده وأن يتمنى خسارته.لكن عندما يصل الأمر إلى الإنسان ومصائبه وأحزانه، فهنا يجب أن يتوقف الجميع.المنافسة حق، والتعصب مفهوم، لكن الإنسانية خط أحمر.




