شكر لم يصل

د. سعود النداح
في حياة كل واحد منا أشخاص غيّروا مسارها ولا يعلمون. معلم انتبه لطالب متعثر فأعاده إلى الطريق ولا يذكره اليوم بين آلاف الطلاب. طبيب طمأن مريضاً بجملة عابرة فنام تلك الليلة أول نوم هادئ منذ أسبوعين. رجل فتح باباً لشاب في بداية طريقه فصار الشاب بعد عشرين سنة في موقع يحسده عليه الناس. كلهم مضوا في حياتهم لا يعرفون أنهم كانوا نقطة تحول في حياة أحد.
والسبب أن الأثر لا يُرى من موضع صاحبه. من يعطي يرى فعله صغيراً لأنه يقيسه بجهده وقد كان الجهد يسيراً؛ دقيقتان من الانتباه أو جملة قيلت في وقتها أو توصية كتبها في دقائق. أما المتلقي فيقيسه بأثره في حياته وقد كان الأثر عمراً كاملاً. ولهذا يمر المحسن على إحسانه مرور العابر وتبقى صورته محفورة عند صاحبه، ثم يلتقيان بعد سنوات فيتذكر أحدهما كل تفصيل ولا يتذكر الآخر شيئاً.
وهذه المسافة بين الفعل وأثره هي التي جعلت الشكر ديناً مؤجلاً عند أكثرنا. نؤجله لا لجحود إنما لأن أعمارنا تسير إلى الأمام دائماً وتحسبُ ديونها على من أمامنا لا على من خلفنا. ثم يخطر لنا أحدهم فجأة في لحظة صفاء فنقول سأتصل به يوماً، والأيام تسير سيرها المعتاد حتى نسمع خبراً من صديق أو رسالة في مجموعة قديمة تخبر أن الرجل توفي. عندها فقط يتحول الاسم من مكالمة مؤجلة إلى غصة وألم.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم شكر الناس شرطاً في شكر الله فقال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». تأمل الربط لم يجعله فضيلة اجتماعية تُحمد إن حصلت، جعله ميزاناً لصدق العلاقة مع الله نفسه. وقال أيضاً: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». والدعاء هنا حل حكيم لمن لا يملك شيئاً، غير أن أكثرنا يملك أبسط منه ولا يفعله وهو أن يخبر الرجل نفسه بما صنع.
وأعجب ما في الأمر أن الشكر المتأخر أثره في قائله قبل أن يصل إلى صاحبه. فالإنسان حين يجلس ليتذكر من صنعوا معه معروفاً يكتشف أن حياته لم تُبنَ بيديه وحدهما وأن كثيراً مما يفاخر به اليوم كان له في أوله دافع من غيره. وهذا الاكتشاف يهذب الكبر بلا موعظة ويعلم الإنسان أن يمرر الجميل إلى غيره لأنه أدرك أنه استلمه أصلاً ولم يصنعه.
ولو أن كل واحد منا اتصل الليلة بمن يدين له بجميل قديم لتغيرت أشياء كثيرة في يوم رجل لا يعرف أنه ينتظر. فالمعلم الذي بلغ الستين وظن أن سنواته الأربعين ذهبت بلا أثر ستأتيه رسالة تخبره أنه صنع طبيباً. والرجل الذي فتح باباً ونسي سيعرف أن الباب ما زال مفتوحاً بعد عشرين سنة. لا شيء أثقل على النفس من الشعور أن المرء عاش بلا أثر ولا شيء أخف عليها من رسالة تثبت له العكس.
وفي المقابل تذكر أنك أنت أيضاً في قائمة أحدهم. مررت بحياة إنسان فأثرت فيها من حيث لا تدري وربما ينتظر أحدهم فرصة ليخبرك ولا يجرؤ. وهكذا نعيش جميعاً دائنين ومدينين في دفتر لا يظهر منه إلا القليل. أما الديون التي لا تُسدد فهي وحدها التي تتحول إلى ندم؛ فليس أثقل على الإنسان من شكر جهزه في نفسه ثم اكتشف أن صاحبه غادر قبل أن يسمعه.
تم نشر هذه المقالة شكر لم يصل للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.