
في نهائي كأس العالم 2022 بين الأرجنتين وفرنسا، خاض كيليان مبابي وليونيل ميسي واحدة من أعنف وأجمل المواجهات في تاريخ البطولة، ضمن مباراة مجنونة انتهت 3-3 بعد الوقت الإضافي وحُسمت أخيراً بركلات الترجيح، سجل فيها مبابي هاتريكاً تاريخياً، بينما أضاف ميسي هدفين قاداه نحو تتويجه الأغلى. كان كل طرف يقاتل حتى الثانية الأخيرة من أجل اللقب الأغلى في كرة القدم. لكن بمجرد انتهاء المباراة، وبعدما ذرف مبابي دموع الخسارة القاسية رغم أدائه الاستثنائي، توجه نحو ميسي ليهنئه بالتتويج، في مشهد أعاد التذكير بأن أشرس المنافسات يمكن أن تنتهي باحترام متبادل، لتتكرر الصورة نفسها لاحقاً حين عاد الثنائي زميلين في باريس سان جيرمان، وكأن تلك المواجهة على الكأس لم تكن سوى محطة عابرة في مسيرة طويلة من التنافس والزمالة معاً. هذا المشهد يختصر جوهر ما يفتقده كثير من الجماهير المتعصبة اليوم؛ فاللاعبون الكبار يدركون أن المنافسة تنتهي بانتهاء وقتها، وأن الاحترام المتبادل لا يتعارض مع الرغبة الشديدة في الفوز. ومع صافرة النهاية أو آخر نقطة في المباراة، يتصافح المتنافسون، يهنئ كل منهما الآخر، ثم يبدأ الجميع التحضير للمواجهة القادمة بروح متجددة. أما الجمهور، فغالباً ما يظل بعضه أسير تلك اللحظة لأيام، بل لأسابيع أحياناً.
تتحول الخسارة عند بعض المتعصبين من نتيجة رياضية عابرة إلى أزمة شخصية، ومن حدث ينتهي بانتهاء وقته إلى موضوع يُستعاد ويُجتر في كل نقاش. وهنا يبرز غياب ما يمكن تسميته بـ»ثقافة الخسارة»، أي القدرة على تقبّل النتيجة السلبية والتعامل معها بوصفها احتمالاً طبيعياً وارداً في أي منافسة. ولعل أحد أسباب هذه الفجوة أن اللاعب يعيش المنافسة من موقع المسؤولية المباشرة، فهو يعرف أن بعد كل خسارة تدريباً جديداً، وتحليلاً للأخطاء، وفرصة أخرى لتصحيح المسار. أما المشجع فغالباً ما يعيش المباراة من موقع الانفعال الخالص، دون أن يملك أدوات اللاعب في معالجة الخسارة أو تحويلها إلى دافع للتحسّن. فتتحول الطاقة العاطفية غير الموجهة إلى تعصب، وتتحول الخسارة إلى نقطة اشتعال بدلاً من أن تكون محطة عابرة.
ويسهم غياب هذه الثقافة أيضاً في تفسير كثير من ردود الأفعال الحادة التي نراها بعد المباريات؛ من الهجوم على اللاعبين والمدربين، إلى تحميل الحكم مسؤولية النتيجة كاملة، وصولاً إلى الجدل الذي يمتد أياماً على المنصات الرقمية. فحين لا يملك المشجع مساحة داخلية لتقبّل الخسارة، يبحث عن مكان خارجي يُفرغ فيه هذا الشعور، فيتحول النقاش الرياضي إلى ساحة لتصريف الغضب أكثر منه لتحليل الأداء. وفي المقابل، حين يمتلك الجمهور ثقافة تقبّل الخسارة، فإن ذلك لا يعني ضعف الانتماء أو غياب الحماس، بل على العكس، يعكس نضجاً رياضياً يسمح للمشجع بأن يظل وفياً لفريقه دون أن يفقد اتزانه أمام كل نتيجة سلبية. فالمنافسة الرياضية بطبيعتها تقوم على مبدأ الفوز والخسارة معاً، ومن يتقبل هذه المعادلة يكون أكثر قدرة على الاستمتاع باللعبة على المدى الطويل.
إن غرس ثقافة تقبّل الخسارة لدى الجمهور لا يقل أهمية عن غرسها لدى اللاعبين أنفسهم، فكلاهما يشتركان في المنافسة ذاتها وإن اختلف موقعهما منها. وحين يتعلم المشجع أن ينظر إلى الخسارة كما نظر إليها مبابي وميسي في تلك اللحظة بعد صافرة النهاية على كأس العالم، أي كمحطة عابرة لا كنهاية، تصبح الرياضة مساحة أكثر صحة للجميع، بعيداً عن التعصب الذي يحوّل المباراة من متعة إلى معركة لا تنتهي.
** **
– خالد المحارفي




