اخر الاخبار

‏فجوة تسعير النفط

في العديد من سرديات الأسواق، لا يُقاس الخطر بما يحمله المستقبل، بل بما يفرضه الحاضر من قرارات عاجلة، هذا المنطق ذاته يهيمن حاليًا على سوق النفط، حيث تتداول الإمدادات الفورية بعلاوة ملحوظة مقارنة بالعقود الآجلة، في انعكاس واضح لضعف المعروض الآني.

‏فجوة تسعير النفط

هذا التحول ليس مجرد نمط تسعيري، بل إشارة عميقة إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب في المدى القصير، فعندما تتجاوز أسعار التسليم الفوري نظيرتها في العقود الآجلة بفارق كبير، فإن السوق لا يراهن بالضرورة على استقرار الإمدادات مستقبلًا، بل يعكس الشح الفوري أو القلق بشأن استمرارية التدفقات.

في هذا السياق، تشهد سوق النفط حاليًا اتساعًا لافتًا في الفجوة بين الأسعار الفورية والآجلة، ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات حول ديناميكيات العرض، ومستوى المخزونات، ومدى قدرة المنتجين على الاستجابة لضغوط الطلب الآني.

كم بلغت الفجوة؟

– في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار العقود الآجلة للتسليم خلال أقرب شهر إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2022 في خضم الحرب الروسية الأوكرانية، كانت أسعار الشحنات الفورية (تسلم عادة بين 10 أيام إلى شهر) تحوم عند مستويات قياسية، متخطية حتى أسعار عام 2008.

– في السابع من أبريل سجل خام “برنت” المؤرخ، معيار التسليم الفوري العالمي، مستوى قياسيًا عند 144.42 دولار للبرميل، فيما لامس سعر التسليم الفوري لخام “فورتيس” مستوى قياسيًا أيضًا هذا الأسبوع قرب 149 دولارًا.

اقراء ايضا  أمريكا: اجتماع عاجل للتحذير من مخاطر «ميثوس» على البنوك والمؤسسات المالية - أخبار السعودية

– في حين انخفضت أسعار العقود الآجلة بشكل ملحوظ من أعلى مستوياتها خلال الحرب عند 119.50 دولار للبرميل في التاسع من مارس، ظل الفارق الكبير بين أسعار التسليم الفوري والتسليم الآجل قائمًا.

– بحلول الأربعاء 15 أبريل بلغت هذه الفجوة نحو 38 دولارًا، وهي في الحقيقة أعلى مما كانت عليه عند بلوغ أسعار العقود الآجلة أعلى مستوياتها خلال الأزمة، مما يشير إلى أن الاضطراب في الإمدادات الحقيقية أعمق مما تسعره السوق المستقبلية.

– يبدو هذا متسقًا مع التصريحات الأخيرة للوكالة الدولية للطاقة، والتي أشارت فيها إلى أن أسعار النفط الحالية لا تعكس حجم المخاطر التي تواجه أسواق الطاقة من جراء الحرب الأمريكية ضد إيران، محذرة من احتمال ارتفاعها بشكل كبير إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.

ماذا تعني هذه الفجوة؟

– ينظر إلى السوق الفورية باعتبارها المكان الذي تباع وتُشترى فيه البراميل فعليًا، أما سوق العقود، فتعبر عن أسعار منتجات مالية بما فيها العقود الآجلة والخيارات.

– العلاوة السعرية الحالية في السوق الفورية هي الأعلى تاريخيًا على الإطلاق. وعادةً لا يتجاوز فرق السعر دولارين، لذلك يشير نمط التسعير الحالي إلى أن المتداولين يعتقدون أن نقص الإمدادات لن يستمر لأشهر طويلة.

– بينما يُعزى الارتفاع الكبير في سعر النفط إلى حد كبير إلى الحرب الإيرانية ونقص الإمدادات، فإن الفجوة بين أسعار التسليم الفوري والآجل ناتجة أيضًا عن عدم توافق التوقيت.

-تتداول العقود الآجلة لخام “برنت” قبل شهرينتقريبًا منموعد التسليم في السوق الفعلية، ما يعني أن شهر يونيو هو أقرب موعد متاح لتسليم العقود الآجلة، وفي المقابل، فإن أقرب موعد تسليم في السوق الفوريةيكون خلال أيام أو أسابيع قليلةكما أشرنا.

– تتسم تحركات أسعار النفط بتقلبات شديدة تجعل المتداولين غير مستعدين للمراهنة بمبالغ كبيرة في أسواق العقود الآجلة، وتحتفظ صناديق التحوط والمتداولون الخوارزميون بمراكز متواضعة نسبيًا في هذه الأدوات.

اقراء ايضا  ثورة في بطاريات الطاقة: اكتشاف صيني يحل مشكلة السلامة - أخبار السعودية

– لا يتوقع المتداولون المحترفون عمومًا أن يستقر سوق النفط بشكل كبير بحلول يونيو (موعد انتهاء صلاحية عقود “برنت” الآجلة لأقرب شهر)، أما من يتبنون هذا الرأي فلا يرغبون في المراهنة بمبالغ كبيرة عليه نظرًا لتقلبات السوق الشديدة، ويكمن الخطر في أن التقلبات السعرية الحادة قد تؤدي إلى طلبات تغطية الهامش.

إلام تشير هذه الفجوة؟

– تقول “أمريتا سين” مؤسسة شركة “إنرجي أسبيكتس” الاستشارية، إن العديد من المشاركين في السوق يعتقدون أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” سيجد حلاً لإنهاء الصراع بدلاً من المخاطرة بارتفاع أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر.

– عادةً ما تتخذ أسعار النفط للتسليم الآجل شكل منحنى، وفي بعض الأحيان، يميل المنحنى للصعود، ما يعني أن عقود التسليم للأشهر البعيدة ستكون أغلى من تلك التي تُسلّم في المدى القريب، وهذا النمط معروف باسم “الكونتانغو”.

– عندما يميل المنحنى للهبوط، تكون أسعار الأشهر القريبة أعلى من أسعار المدى البعيد، وهذه الحالة التي تُسمى “الباكورديشن”، وتشير إلى أن المشترين مستعدون للدفع أكثر لتأمين الإمدادات فورًا.

– على الرغم من أن سوق النفط كانت تعاني من “الباكورديشن” في كثير من الأحيان خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن فجوات الأسعار لم تكن أبدًا بهذا الاتساع كما كانت عليه خلال الحرب الإيرانية. إنها ببساطة أكبر أزمة نقص إمدادات في التاريخ.

ما العواقب؟

– حذر بعض المحللين من أن الأسعار قد ترتفع إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، وهذا سيكون له تداعيات عميقة على الاقتصادات والشركات وحتى الأفراد.

– لكن حتى الفجوة الكبيرة في أسعار التسليم الفوري تشكل ضغطًا على شركات التكرير، ويختلف الوضع باختلاف المناطق، ففي آسيا مثلًا، تعاني دول عديدة، من بينها اليابان وتايلاند، من نقص في إمدادات النفط الخام بالفعل.

اقراء ايضا  ما هو ترجمة ومعنى كلمة هذا بالانجليزي؟

– أيضًا، ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية يضطر المصافي الأوروبية إلى خفض كميات النفط الخام التي تعالجها، أما في أمريكا، فتمكنت المصافي (التي تعتمد على كميات قليلة من نفط الشرق الأوسط) من مواصلة العمل بشكل طبيعي، لكنها اضطرت إلى دفع المزيد بسبب ارتفاع الأسعار.

– تتميز أسواق النفط المالية (العقود الآجلة) حاليًا بتوازن أكبر بين المشترين والبائعين، أما في السوق الفورية، فيفوق عدد المشترين المتعطشين للنفط عدد البائعين، الذين لا تزال إمداداتهم عالقة في الشرق الأوسط، وهذا أكثر تعبيرًا عن الواقع.

– سياسيًا، يُعدّ انخفاض أسعار العقود الآجلة للنفط في صالح البيت الأبيض، لكن بالنسبة للمستثمرين الذين يبحثون عن مؤشرات حول شكل أسعار الطاقة في المستقبل، من الأفضل لهم التركيز على ما يحدث فعليًا في مضيق هرمز، وليس على الأسواق المالية.

المصادر: أرقام- ماركت ووتش- بلومبرج- وول ستريت جورنال- سي إن بي سي- أويل برايس- رويترز


اقرأ على الموقع الرسمي

زر الذهاب إلى الأعلى
إنضم لقناتنا على تيليجرام