
د. أبوبكر إبراهيم محجوب
في كرة القدم، قد يكون أسهل قرار أن تضع لاعبًا على مقاعد البدلاء. أما الأصعب فهو أن تعرف ماذا تفعل عندما يصبح ذلك اللاعب أكبر من موقعه في التشكيلة. وهذا هو المأزق الذي وصلت إليه البرتغال مع كريستيانو رونالدو.
بعد مباراة النرويج في أوسلو، التي بقي خلالها رونالدو على مقاعد البدلاء، غادر قائد البرتغال معسكر المنتخب. وبعد أيام، أصدر بيانًا طويلًا عرض فيه روايته لما حدث، وتحدث عن وعود لم تُحترم وخلافات مع المدرب خورخي جيسوس. لكنه، والأهم من دفاعه عن نفسه، أقر بأن مغادرته المعسكر كانت خطأ، واعتبر أن كونه قائدًا يجعل مسؤوليته أكبر، لا أقل. ثم جاء رد المؤسسة. أوقف الاتحاد البرتغالي رونالدو مؤقتًا، وبدأ المسار التأديبي بشأن الواقعة.
من حيث المبدأ، لا يبدو القرار معقدًا. لاعب غادر المعسكر، وهناك قواعد يفترض أن تطبق. هذا عادي. لكن كريستيانو لم يعد حالة عادية منذ زمن طويل. فهناك لاعبون يكبرون داخل الفرق، وهناك لاعبون تكبر الفرق حولهم.
ورونالدو، حتمًا، من النوع الثاني.
على مدى أكثر من عقدين، لم يكن الرقم 7 رقمًا عاديًا. ارتبط جزء كبير من صورة البرتغال الحديثة باسمه؛ بأهدافه وأرقامه وحضوره، وباللحظات التي حمل فيها المنتخب معه. تعاقبت الأجيال والمدربون والخطط، وبقي كريستيانو العنصر الأكثر ثباتًا في الصورة. ومع الوقت، تجاوز تأثيره حدود الملعب، وأصبح اسمه جزءًا من القيمة الإعلامية والتجارية للمنتخب. وهكذا تشكلت داخل البرتغال سلطتان؛ سلطة رسمية يملكها المدرب لأنه يختار من يلعب، وسلطة رمزية بناها رونالدو عبر سنوات لا يستطيع قرار فني أن يمحوها.
ظلت السلطتان متوافقتين ما دام رونالدو يلعب. وعندما لم يعد ذلك مضمونًا، ظهرت المشكلة التي تأجلت طويلًا: كيف تفصل بين رونالدو اللاعب ورونالدو المؤسسة؟ هنا يظهر الاختبار الحقيقي.
قيمة المؤسسة لا تظهر فقط في قدرتها على صناعة الرموز، بل في قدرتها على التعامل معها عندما تتعارض مكانتها مع القواعد. وإذا كان رونالدو قد أصبح «لاعبًا مؤسسة»، فإن الاتحاد مطالب الآن بإثبات أنه مؤسسة أيضًا.
العدالة لا تعني القسوة، واحترام التاريخ لا يعني الإعفاء من المحاسبة. يمكن للمدرب أن يقرر أن رونالدو لم يعد الخيار الأول، ويمكن للاتحاد أن يعاقبه على مغادرة المعسكر، لكن لا أحد يستطيع أن يتعامل معه وكأن السنوات العشرين السابقة لم تحدث. فالمساواة أمام القواعد لا تعني المساواة في التاريخ والمكانة والأثر.
وربما لهذا لم يكن مقعد البدلاء في أوسلو هو الذي صنع الأزمة. كان فقط المكان الذي اكتشفت فيه البرتغال، متأخرة، أنها لم تكتب يومًا خطة للمرحلة التي يصبح فيها كريستيانو أكبر من دوره، وأصغر من تاريخه.
وربما تبدأ تلك الخطة الآن. فأكثر ما يحفظ إرث كريستيانو ليس أن تُستثنى أسطورته من العقوبة، بل أن يتحملها كما طالب هو نفسه. فالأساطير تكبر بالإنجازات، أما المؤسسات فتكبر حين لا تتغير قواعدها أمام الأساطير.


