
لا ألوم مشجعي الأندية الأخرى حين يفرحون بهزيمة الهلال، وأتفهم تلك السعادة التي تجتاح مدرجاتهم وحساباتهم كلما تعثر الأزرق؛ فهناك من أصبحت خسارة الهلال عنده أعظم من انتصار فريقه، ومن يجد في سقوطه ما يعجز فريقه عن منحه إياه من أفراح! وهذه، في حد ذاتها، شهادة تفوق لا يحتاج الهلال إلى الاحتفال بها؛ فقد أصبح حضوره ثقيلًا إلى درجة أن خسارته تُعامل وكأنها بطولة يحققها الآخرون!
لكن ما لا أفهمه، وما يستحق التوقف عنده فعلًا، هو حال بعض المحسوبين على مدرج الهلال، الذين لم يصدقوا أن الفريق تعثر حتى فتحوا أبواب المحاكمات، ونصبوا المشانق للمدرب إنزاغي، وأعادوا تقييم الصفقات الجديدة، وشككوا في البدلاء، وصوروا المشهد وكأن الهلال يقف على حافة الانهيار، وأن موسمًا كاملًا قد ضاع في تسعين دقيقة!
يا سادة.. هل نشجع الهلال أم نطالبه بالمستحيل؟!
هل أصبح مطلوبًا من الهلال ألا يخسر، وألا يتعادل، وألا يجرّب، وألا يريح لاعبيه، وألا يمنح البدلاء فرصة، وأن يدخل كل مباراة بتشكيلته الأساسية وكأنها المباراة الأخيرة في تاريخ كرة القدم؟!
في مواجهته الآسيوية أمام الشمال القطري، وجد الهلال فرصة لإراحة مجموعة كاملة من لاعبيه، وإشراك أسماء يحتاج المدرب إلى اختبار جاهزيتها، والوقوف على إمكاناتها في المباريات الرسمية. وهذا تصرف يمكن فهمه في سياق موسم طويل، لا تُحسم بطولاته في أكتوبر، ولا تُقاس قوته بمباراة واحدة.
والأهم أن النظام الآسيوي في مرحلة الدوري لا يمنح المتصدر بطولة، ولا يجعل صاحب المركز الثامن خارج المنافسة؛ فالمراكز الثمانية الأولى تتأهل إلى الدور التالي، وإن اختلفت مواقعها ومزاياها. والهلال الذي تصدر في الموسمين الماضيين يعرف أكثر من غيره أن الصدارة المبكرة لا تعني التتويج، وأن البطولة الحقيقية تبدأ حين تشتد المواجهات وتضيق الخيارات.
فلماذا نريد من المدرب أن يستهلك فريقه الأساسي في كل مباراة، ثم نحاسبه لاحقًا على الإرهاق والإصابات وتراجع الجاهزية؟ وكيف نطالبه بدكة قوية ونحن نرفض أن يمنح لاعبيها فرصة اللعب؟!
الغريب أن بعض الجماهير تريد اثنين وعشرين لاعبًا بمستوى واحد، وروح واحدة، ولياقة واحدة، وحضور فني لا يتغير! وهذا أمر لا تملكه أعظم أندية العالم. كرة القدم ليست لعبة آلات مبرمجة على الانتصار، والهلال، مهما بلغت قوته، ليس استثناءً من قوانينها.
ولنكن أكثر وضوحًا: النقد حق للجمهور، ومناقشة خيارات إنزاغي مشروعة، وتقييم الصفقات الجديدة أمر طبيعي، لكن هناك فرقًا شاسعًا بين النقد الذي يريد تصحيح المسار، والانفعال الذي يريد هدم كل شيء عند أول تعثر.
المشكلة ليست في خسارة الهلال، وإنما في أن بعض جماهيره لم تعد تعرف كيف تتعامل مع خسارته!
فلقد اعتاد الهلاليون الانتصارات حتى كاد بعضهم ينسى أن الهزيمة جزء من اللعبة. وبدل أن تصبح البطولات المتراكمة مصدر ثقة وهدوء، تحولت عند فئة إلى عبء نفسي يجعل كل تعثر إعلان أزمة، وكل تبديل خطأً تاريخيًا، وكل لاعب جديد صفقة فاشلة قبل أن يحصل على فرصته الكافية!
والأشد غرابة أننا نثق بإدارة الهلال حين تتعاقد وتخطط وتنفق وتبني، ثم نسحب منها هذه الثقة عند أول نتيجة لا تعجبنا. نطالبها بالاستقرار، ثم نفتح أبواب الفوضى حولها. نريد مشروعًا طويل النفس، لكننا نحاكمه بعقلية المباراة الواحدة! أي تناقض هذا؟!
الهلال لم يصنع تاريخه بالانتصارات وحدها، وإنما صنعه أيضًا بقدرته على تجاوز العثرات، واستيعاب الضغوط، والعودة كلما ظن الآخرون أنه انتهى. ولو كان كل تعثر يعني انهيارًا، لما بقي في خزائنه كل هذا المجد، ولا في مدرجاته كل هذا الكبرياء.
دعوا الآخرين يحتفلون بخسارة الهلال كما يشاؤون؛ فمن حقهم أن يبحثوا عن الفرح حيث يجدونه، حتى لو وجدوه في نتائج غيرهم. لكن لا تمنحوهم من داخل البيت الهلالي فرحة إضافية، حين تتحول خسارة مباراة إلى حملة تشكيك في كل شيء.
لسنا مطالبين بالتصفيق للأخطاء، ولا بتقديس المدرب أو الإدارة أو اللاعبين، لكننا مطالبون بشيء من الاتزان، وبأن نفرق بين فريق يتعثر وهو يسير في مشروعه، وفريق فقد طريقه فعلًا.
الهلال أكبر من مباراة، وأكبر من تعثر، وأكبر من انفعال عابر على منصات التواصل.
فلنترك لإدارته التي منحناها الثقة مساحة العمل، ولمدربه فرصة اتخاذ قراراته وتحمل مسؤوليتها، وللاعبيه الجدد الوقت الكافي لإثبات أنفسهم. فالموسم طويل، والحساب الحقيقي يكون عند المحطات الكبرى، لا عند كل صافرة نهاية.
وأخيرًا، أقول لبعض الهلاليين: لا تجعلوا خصوم الهلال أكثر سعادة بردود أفعالكم من سعادتهم بخسارته!
فالهلال الذي جعل الآخرين يحتفلون بتعثره، لم يصل إلى هذه المكانة مصادفة، ولن يفقدها بسبب مباراة.
الهلال لم يصبح عظيمًا لأنه لا يخسر، بل لأنه يعرف كيف يعود، وكيف ينهض، وكيف يجعل من احتفلوا بسقوطه يترقبون سقوطه مرة أخرى!
فلا تستعجلوا إعلان النهاية، ولا تمنحوا خصومه انتصارًا ثانيًا تصنعه ردود أفعالكم.
وإن كان الآخرون يحتاجون إلى هزيمة الهلال كي يفرحوا، فالهلاليون اعتادوا أن تكون أفراحهم بالبطولات.. وتلك وحدها حكاية الفارق بين من يصنع المجد، ومن ينتظر تعثر صانعه..
اطمئنوا.. الهلال بخير، وأمره، بإذن الله، في أيدٍ أمينة. ومن اعتاد القمم لا ينبغي أن يفزع من عثرة في الطريق!
** **
– خالد الباتلي




