أ.د. هلال المسيلي الحارثيمقالات الكتاب

وجه لم يغب عن الذاكرة


خلال زيارتي الأخيرة إلى محافظة الطائف، وبعد انتهائي من الصلاة في أحد المساجد، خرجت متجهًا إلى سيارتي. وبينما كنت أسير في ساحة المسجد، لفت انتباهي رجل يقف قريبًا من الباب. بدت ملامحه مألوفة، فبدأت أتأمله محاولًا استرجاع الذاكرة، وكلما دققت النظر ازدادت الحيرة، حتى عادت بي السنوات إلى الماضي، فإذا به زميلي القديم (حامد)، الذي جمعتني به بدايات العمل في إحدى المدارس الثانوية، حيث كانت أولى أيام ميدان التعليم المليئة بالعمل والذكريات.
كان (حامد) من المعلمين الذين يتركون أثرًا واضحًا لا يُنسى، فقد جمع بين سعة الثقافة وشغف العلم والأدب، ولفت الأنظار منذ بدايات عمله بحضوره القوي ومعرفته الواسعة. كان بارعًا في الحديث، يجذب المستمعين بعمق أفكاره وجمال أسلوبه، ويحسن إدارة النقاش بحجة واضحة ورؤية ناضجة. كما كان متمكنًا من علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة، وسريع الاستحضار للشواهد والنصوص، مع ذاكرة قوية مكنته من حفظ قدر كبير من الشعر العربي وأدبه. وإلى جانب علمه، تميز بشخصية تجمع بين الجدية وخفة الظل، وسرعة البديهة وروح الدعابة، ما جعل حضوره ممتعًا في المجالس. وكان أيضًا صاحب قلم جيد وفكر متزن، إلى جانب كرمه وتعاونه الدائم مع من حوله، سواء من زملائه أو طلابه، وهو ما أكسبه محبة الجميع وتقديرهم.
ومع مرور الوقت، فرّقت بيننا ظروف الحياة، فانتقل كل منا إلى جهة عمل مختلفة، وتزايدت المسؤوليات حتى انقطع التواصل بيننا تمامًا، رغم بقاء (حامد) حاضرًا في الذاكرة. ولم أكن أتوقع أن يجمعنا لقاء بعد تلك السنوات، أو أن أراه بتلك الصورة أمام باب المسجد.
اقتربت منه وناديته باسمه، فرفع رأسه وتعرف عليّ بعد لحظات قصيرة، ثم دار بيننا حديث سريع شعرت خلاله أنه تغيّر كثيرًا عما كان عليه في السابق؛ فلم يعد ذلك الرجل النشط المليء بالحضور والكلام والحيوية. وفي السابق كان أنيقًا في مظهره، يحرص على ارتداء ثوب أبيض ناصع، مرتب بعناية، مع شماغ نظيف ومهندم يعكس اهتمامه بنفسه. أما الآن فقد بدت عليه علامات التعب والإهمال؛ إذ كان يرتدي ملابس رثة بالية، وشماغًا باهتًا، وحذاءً ممزقًا، وقد غابت عن هيئته تلك العناية التي عُرف بها من قبل، وظهر أثر الزمن والإرهاق بوضوح. ورغم ذلك بقيت في عينيه ملامح الطيبة، وإن غطّاها شيء من الحزن والإعياء، وقد علمت لاحقًا أنه يعاني من اضطراب نفسي منذ سنوات، كان له أثر كبير في مسار حياته، وأدى إلى ابتعاده عن الناس، وتقاعده المبكر قبل أن يحقق بعض ما كان يطمح إليه.
بعد ذلك اللقاء، تواصلت مع أحد الزملاء القدامى، فأخبرني أن (حامد) أصابه اضطراب نفسي في السنوات الأخيرة، انعكس على حياته اليومية وسلوكه الاجتماعي. وذكر أنه يقضي معظم وقته في أحد المقاهي، يجلس وحيدًا لساعات طويلة على الكراسي الخارجية، يراقب المارة والسيارات بصمت، دون أن يرافقه أحد أو يجلس معه أحد. وأحيانًا يكتفي بالمكوث دون أن يطلب أي مشروب أو يتناول شيئًا، وكأنه غارق في عالمه الخاص. ثم يغادر المكان عند إغلاق المقهى، وهو قليل الكلام، يميل إلى العزلة، ويبدو وكأنه يعيش منفصلًا عن الحياة.
وعندما سمعت ذلك، عادت إلى ذهني صورته الأولى كما عرفته، فبدأت أتأمل تقلبات الحياة التي لا تسير دائمًا كما نريد، وأدركت أن الإنسان مهما بلغ من علم أو مكانة يبقى عرضة لظروف قاسية لا يملك دفعها، وأن الاضطراب النفسي قد يصيب أي إنسان دون استثناء، كما أدركت أن معاناة المصابين لا تقتصر على المرض وحده، بل تتضاعف بسبب الوحدة وسوء الفهم من حولهم.
غادرت الطائف، لكن صورة (حامد) بقيت حاضرة في ذهني لا تفارقني. وكلما استعدت ذلك اللقاء أمام باب المسجد، رفعت له الدعاء أن يمنّ الله عليه بالشفاء والعافية، ويعيد إليه طمأنينته، ويجعل ما مرّ به سببًا في رفعته في الدنيا والآخرة.


اقرأ على الموقع الرسمي

زر الذهاب إلى الأعلى
إنضم لقناتنا على تيليجرام