اخر الاخبار

أوبك ترى تعافي الطلب ووكالة الطاقة تتوقع انكماشه.. أي سيناريو يهم المملكة؟


السوق واحدة، والبرميل نفسه، والبيانات تصل إلى الجميع تقريبًا في الوقت نفسه. ومع ذلك، تنظر اثنتان من أهم المؤسسات التي تراقب سوق النفط إلى 2026 و2027 وترسمان صورتين مختلفتين بصورة لافتة. في أحدث تقرير شهري صادر في 13 أكتوبر، تتوقع أوبك أن يبلغ الطلب العالمي على النفط 105.72 ملايين برميل يوميًا في 2026، بزيادة محدودة قدرها نحو 180 ألف برميل يوميًا عن العام السابق.

ثم يأتي التحول الكبير في 2027.

أوبك تتوقع قفزة في الطلب قدرها نحو 2.55 مليون برميل يوميًا ليصل المتوسط العالمي إلى 108.28 ملايين برميل يوميًا. المنظمة ترى أن جانبًا من الطلب الذي ضعف خلال الأزمة لم يختف، وأن إعادة بناء المخزونات المستنزفة ستضيف بدورها طلبًا خلال العام المقبل.

بعد يوم واحد فقط، قدمت وكالة الطاقة الدولية صورة مختلفة.

تتوقع الوكالة أن ينخفض الطلب العالمي في 2026 بمقدار 2.6 مليون برميل يوميًا إلى نحو 102.4 مليون برميل يوميًا، قبل أن يتعافى بنحو مليوني برميل يوميًا خلال 2027.

وحتى بعد هذا التعافي، يبقى استهلاك النفط العالمي وفق الوكالة في 2027 أقل بنحو 620 ألف برميل يوميًا من مستواه في 2025.

وهنا تظهر المفارقة التي تهم السعودية أكثر من الجدل حول أي المؤسسة أقرب إلى الصواب.

بحساب أرقام الوكالة، سيبلغ الطلب العالمي في 2027 قرابة 104.4 ملايين برميل يوميًا.

أوبك تقول 108.28 ملايين.

الفارق:

نحو 3.9 ملايين برميل كل يوم.

وهذه ليست فجوة إحصائية صغيرة.

إنها كمية تكفي لتغيير شكل التوازن بين العرض والطلب، والمساحة المتاحة أمام «أوبك+» لزيادة الإنتاج، واتجاه الأسعار، وفي النهاية مقدار النفط الذي تستطيع السعودية بيعه دون أن تتسبب زيادة المعروض في الضغط على السوق.

الخلاف أكبر من «نمو أم انكماش»

المقارنة الأولى تبدو بسيطة:

المؤشر أوبك وكالة الطاقة الدولية
الطلب العالمي 2026 105.72 مليون ب/ي 102.4 مليون ب/ي
تغير الطلب في 2026 +0.18 مليون ب/ي -2.6 مليون ب/ي
نمو الطلب في 2027 +2.55 مليون ب/ي +2.0 مليون ب/ي
الطلب التقريبي في 2027 108.28 مليون ب/ي 104.4 مليون ب/ي
الفارق في طلب 2027 نحو 3.9 ملايين ب/ي

لكن هناك تفصيل مهم.

المؤسستان تتوقعان تعافي الطلب في 2027.

الخلاف الحقيقي يتعلق بما حدث للطلب خلال 2026، ومقدار ما سيعود منه بعد الأزمة.

أوبك ترى أن 2026 ينتهي بنمو ضعيف جدًا، ثم يستعيد الطلب زخمه في العام التالي.

وكالة الطاقة ترى أن الصدمة كانت أعمق: ارتفاع أسعار الوقود، نقص المنتجات النفطية، وتدهور بعض المؤشرات الاقتصادية أدت كلها إلى تراجع فعلي في الاستهلاك يصعب تعويضه بالكامل في عام واحد.

ومن هنا يبدأ السؤال:

إذا كان الاستهلاك «مؤجلًا»، فالسوق قد تحتاج إلى ملايين البراميل الإضافية في 2027.

أما إذا كان جزء كبير منه قد دُمّر بفعل الأسعار والتباطؤ الاقتصادي، فقد تجد السوق نفسها أمام عرض يعود بسرعة أكبر من الطلب.

وبين الحالتين توجد مليارات الدولارات.

لماذا ترى أوبك طلبًا أكبر؟

أوبك نفسها أصبحت أكثر تحفظًا تجاه 2026.

فالتوقع الأخير البالغ 180 ألف برميل يوميًا يمثل سادس خفض متتالٍ تقريبًا لتوقعاتها لنمو الطلب هذا العام، بعد أن كانت تقديراتها أعلى بكثير في مطلع السنة.

وفي سبتمبر وحده كانت تتوقع نموًا قدره 380 ألف برميل يوميًا، قبل أن تخفضه بنحو النصف في تقرير أكتوبر.

إذن أوبك ترى الضعف أيضًا.

لكن المنظمة تختلف في تفسير ما سيحدث بعده.

إحدى ركائز سيناريو 2027 هي المخزونات.

الحرب واضطرابات الإمدادات دفعت المستهلكين والحكومات والمصافي إلى استخدام جزء كبير من الاحتياطيات التجارية والاستراتيجية. ومع عودة الإمدادات، لا يكفي أن تغطي المصافي والمستهلكون حاجتهم اليومية؛ عليهم أيضًا إعادة ملء الخزانات.

وهذا يخلق طلبًا إضافيًا فوق الاستهلاك العادي.

حتى رئيس أرامكو أمين الناصر قدم هذا العامل بوضوح هذا الأسبوع، عندما قال إن المخزونات التجارية البرية العالمية هبطت إلى ما دون ستة مليارات برميل، وإن إعادة تكوين المخزونات مع تلبية الاستهلاك الجاري قد تستغرق ما يصل إلى عامين.

هذه النقطة تعطي منطقًا مهمًا لتوقع أوبك.

قد يتوقف السحب من المخزون، ثم يتحول إلى شراء إضافي لإعادة تعبئته.

وفي سوق يزيد استهلاكها على 100 مليون برميل كل يوم، فإن إعادة كمية صغيرة نسبيًا إلى الخزانات على مدى شهور يمكن أن تصبح مصدرًا ملموسًا للطلب.

اقرأ أيضًا: 7 ملايين برميل يوميًا عبر «شرق-غرب».. كيف أصبح طريق ينبع ورقة قوة للنفط السعودي؟

وكالة الطاقة ترى نوعًا آخر من الضرر

وكالة الطاقة تضع وزنًا أكبر لما تصفه بأثر الأسعار ونقص المنتجات على المستهلك نفسه.

تقرير أكتوبر يتوقع أن يتراجع الطلب العالمي 2.5 مليون برميل يوميًا على أساس سنوي في الربع الرابع وحده، وأن يصل الانخفاض في متوسط 2026 إلى 2.6 مليون.

وتتوقع الوكالة أن يشكل الديزل وحده نحو ربع الانخفاض.

وهنا تختلف طبيعة المشكلة.

إذا كان المستهلك لم يحصل على الوقود في موعده، يمكن أن يعود جزء من الاستهلاك عندما يتحسن الإمداد.

لكن إذا دفع ارتفاع الأسعار شركة نقل إلى تقليل الرحلات، أو مصنعًا إلى خفض الإنتاج، أو مستهلكًا إلى تغيير سلوكه، فقد لا يعود كل ذلك الطلب بمجرد وصول ناقلات جديدة إلى الموانئ.

أسعار الديزل بالجملة تجاوزت 200 دولار للبرميل في بعض الأسواق خلال سبتمبر، فيما أشارت وكالة الطاقة إلى أن ارتفاع الأسعار بدأ ينعكس على تكلفة السلع والدخل الحقيقي والنشاط الاقتصادي والتضخم.

وهكذا تتحول أزمة النفط إلى دائرة:

نقص في الإمدادات → أسعار أعلى → تضخم وتكاليف أكبر → نمو اقتصادي أضعف → طلب أقل على الوقود.

وكلما طال أمد الدائرة، أصبح سيناريو التعافي الكامل أكثر صعوبة.

المخزونات قد تجعل الطرفين على حق.. في توقيت مختلف

المثير أن بيانات المخزونات تمنح بعض القوة للسيناريوهين في الوقت نفسه.

وكالة الطاقة تقول إن المخزونات النفطية المرصودة عالميًا كانت بنهاية سبتمبر أقل بنحو 509 ملايين برميل عن مستويات نهاية فبراير، وأن المخزون البري هبط إلى أدنى مستوياته منذ 2016 على الأقل.

هذا يفسر لماذا تستطيع الأسعار البقاء مرتفعة حتى إذا كان الطلب نفسه يتراجع.

السوق قد تستهلك كمية أقل من العام السابق، ومع ذلك تعاني عجزًا في البراميل لأن المعروض انخفض بوتيرة أكبر.

وهذا هو الوضع غير المعتاد الذي تواجهه السعودية اليوم.

ضعف الطلب لا يعني تلقائيًا ضعف السعر.

فخلال سبتمبر ارتفع إنتاج النفط العالمي، وعادت كميات أكبر من الخليج، ومع ذلك ظلت الأسواق تعاني نقصًا في المخزونات ومشكلات كبيرة في الديزل والنقل البحري.

بل إن وكالة الطاقة نفسها تقول إن توازن السوق سيبقى في عجز حتى نهاية 2026 رغم انخفاض الطلب الذي تتوقعه.

وهنا يجب فصل سؤالين:

كم يستهلك العالم؟

وكم برميلًا متاحًا للمستهلك في المكان والوقت المناسبين؟

في 2026 أصبح السؤال الثاني بالغ الأهمية.

بالنسبة للمملكة.. سعر البرميل وحده لا يكفي

المملكة لديها ثلاثة متغيرات تتحرك معًا:

السعر، والكمية، والقدرة على إيصال البرميل.

قد يكون السعر مرتفعًا، لكن إذا انخفضت كمية الصادرات نتيجة قيود النقل أو الإنتاج، يتراجع جزء من أثر السعر.

وقد ترتفع الكميات بينما تنخفض الأسعار، فتكون المحصلة مختلفة.

وقد يبقى الاثنان جيدين بينما تلتهم تكاليف الشحن والتأمين جزءًا من اقتصاد الصفقة.

وزراء دول «أوبك+» قالوا في اجتماعهم بالرياض في 12 أكتوبر إن تكاليف الشحن والتأمين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وفي بعض الحالات تجاوزت ثلث قيمة السلعة نفسها.

ولهذا يصبح السؤال السعودي أكثر تعقيدًا من سؤال «هل الطلب سيرتفع؟».

المعادلة الأقرب هي:

السعر × الكمية القابلة للبيع × تكلفة إيصال البرميل إلى العميل.

وهذا يفسر الاستثمار المتزايد في خطوط الأنابيب ومسارات التصدير البديلة والتخزين الخارجي.

أرامكو قالت هذا الأسبوع إنها تدرس مسارات إضافية لتصدير الخام وتوسيع التخزين في الخارج، ضمن منظومة تعتمد أيضًا على الطاقة الإنتاجية الاحتياطية وتنوع منافذ التصدير.

سبتمبر أعطى لمحة عما يمكن أن يحدث إذا عادت الكميات

المملكة نفسها بدأت بالفعل استعادة جزء من إنتاجها.

أفادت المملكة أوبك بأنها أنتجت 8.372 ملايين برميل يوميًا في سبتمبر، بزيادة تتجاوز مليوني برميل يوميًا عن أغسطس، فيما ارتفع إنتاج مجموعة «أوبك+» ككل بنحو 900 ألف برميل يوميًا وفق المصادر الثانوية للمنظمة.

كما أظهرت بيانات تتبع الشحنات ارتفاع الصادرات السعودية بصورة واضحة خلال سبتمبر مع تحسن الحركة عبر الخليج، وإن بقيت أقل من مستويات ما قبل الحرب.

هذا التعافي يمثل نموذجًا مصغرًا لما قد يحدث في 2027.

إذا عادت قدرة كل دول الخليج على إنتاج وتصدير البراميل بصورة طبيعية، فسيصبح السؤال:

هل عاد الطلب بالسرعة نفسها؟

إذا كانت أوبك أقرب إلى الواقع، فالجواب سيكون إلى حد كبير نعم.

إذا كانت وكالة الطاقة أقرب، فقد يصبح تعافي العرض نفسه مصدر ضغط على الأسعار.

هنا يصبح 2027 أهم من 2026

في 2026، نقص الإمدادات والمخزونات ومسارات الشحن يلعب دورًا كبيرًا في السعر.

أما 2027 فقد يشهد مشكلة معاكسة.

وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يزيد المعروض العالمي 7.7 ملايين برميل يوميًا في 2027 مع عودة الإنتاج المتعطل.

وفي الوقت نفسه تتوقع زيادة الطلب بنحو مليوني برميل فقط.

أي أن المعروض، وفق هذا السيناريو، يعود أسرع بكثير من الاستهلاك.

وإذا تحقق ذلك، تظهر مخاطر فائض كبير بعد مرحلة النقص الحالية.

عندها يمكن أن تجد «أوبك+» نفسها مرة أخرى أمام السؤال القديم:

هل تسمح للمنتجين باستخدام طاقتهم واستعادة حصتهم من السوق؟

أم تضبط الإنتاج حتى لا تعود البراميل أسرع مما يستطيع الطلب استيعابه؟

وهذا السيناريو هو الأكثر حساسية بالنسبة للسعودية.

أوبك ترى مساحة أكبر بكثير لبراميلها

على الجانب المقابل، ترى أوبك طلبًا عالميًا يبلغ 108.28 ملايين برميل يوميًا في 2027.

كما رفعت تقديرها للطلب على خام دول إعلان التعاون «أوبك+» إلى نحو 43.95 مليون برميل يوميًا في المتوسط خلال العام المقبل.

إذا تحقق هذا السيناريو، سيكون أمام المجموعة مجال أكبر لإعادة كميات إلى السوق مع الحفاظ على توازن نسبي.

وهذا مهم للمملكة بشكل خاص، لأنها تمتلك قدرًا كبيرًا من الطاقة الإنتاجية المرنة.

القيمة الاقتصادية للطاقة الاحتياطية تظهر عندما توجد سوق تستطيع امتصاص البراميل الإضافية.

إذا كان العالم يحتاج 108 ملايين برميل يوميًا، تصبح تلك المرونة أصلًا يمكن تحويله إلى مبيعات.

إذا كانت الحاجة قرب 104 ملايين، ترتفع احتمالات بقاء جزء أكبر من الطاقة خارج السوق.

لماذا قررت «أوبك+» التوقف مؤقتًا؟

قرار المجموعة الأخير يعطي إشارة إلى أن المنتجين أنفسهم لا يتعاملون مع توقع التعافي باعتباره مضمونًا.

في 4 أكتوبر، قررت سبع دول في «أوبك+»، بينها السعودية، الإبقاء على مستوى الإنتاج المطلوب لشهر نوفمبر عند مستوى سبتمبر، بعد قرار مماثل بشأن أكتوبر.

وستعيد المجموعة تقييم السوق في الأول من نوفمبر.

هذا التثبيت مهم.

فالمنتجون كانوا قد أمضوا شهورًا في تعديل مستويات الإنتاج، ثم اختاروا التوقف مؤقتًا ومراقبة السوق.

وفي بيئة تتفاوت فيها تقديرات الطلب بملايين البراميل، تصبح المرونة نفسها أداة سياسة.

بدل اتخاذ قرار لعام كامل، تستطيع المجموعة تعديل الإمدادات شهرًا بشهر وفق ثلاثة أرقام:

المخزون، والسعر، والطلب الفعلي.

آسيا هي المكان الذي يجب أن تراقبه المملكة

الخلاف العالمي يصبح أكثر أهمية عندما ننظر إلى خريطة العملاء.

آسيا هي السوق الرئيسية للخام السعودي، ومن هنا تحمل توقعات الصين والهند وبقية آسيا وزنًا أكبر من المتوسط العالمي بالنسبة للمملكة.

أوبك تتوقع تراجعًا محدودًا ومؤقتًا في الطلب الصيني خلال 2026 بنحو 60 ألف برميل يوميًا، وترى استمرار النمو في أجزاء أخرى من آسيا، ثم تعافيًا أوسع في 2027.

في المقابل، ربطت وكالة الطاقة جزءًا مهمًا من تراجع الطلب خلال الأزمة بآسيا، خصوصًا نتيجة ضعف المنتجات الوسطى والمواد الأولية للبتروكيماويات واضطراب وصول الخام إلى المصافي.

ومن هنا توجد خمسة مؤشرات آسيوية تستحق مراقبتها أكثر من أي عنوان عام عن «الطلب العالمي»:

واردات الصين من الخام، تشغيل المصافي، مخزونات الصين، استهلاك الديزل، ونمو الطلب الهندي.

إذا بدأت هذه المؤشرات في الارتفاع بالتزامن مع إعادة بناء المخزونات، يكتسب سيناريو أوبك قوة.

إذا ظلت ضعيفة رغم تحسن الإمدادات، يصبح سيناريو وكالة الطاقة أكثر أهمية.

ماذا يعني الخلاف لميزانية السعودية؟

الاقتصاد السعودي أصبح أقل اعتمادًا على النفط مما كان عليه قبل عقد، لكن النفط ما زال عنصرًا مؤثرًا في الإيرادات والناتج والصادرات.

البيان التمهيدي لميزانية 2027 يتوقع إيرادات إجمالية بنحو 1.202 تريليون ريال ونفقات بنحو 1.392 تريليون ريال، مع عجز يقارب 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

واللافت أن وزارة المالية تتوقع أن ينخفض الناتج الحقيقي للأنشطة النفطية 21.8% خلال 2026 نتيجة التطورات التي شهدها القطاع، بينما تحافظ الأنشطة غير النفطية على نمو متوقع بنحو 3.2%.

كما ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 57.3% من الناتج في النصف الأول، وبلغت الإيرادات غير النفطية 505 مليارات ريال في 2025، مقابل 166 مليارًا في 2015.

هذه الأرقام تمنح المالية العامة طبقة حماية لم تكن موجودة بالحجم نفسه سابقًا.

ومع ذلك، يبقى الفارق بين بيع برميل بسعر مرتفع وبيع الكمية نفسها بسعر أقل كبيرًا جدًا.

للتوضيح الحسابي فقط:

كل فرق قدره 10 دولارات في سعر مليون برميل يوميًا يعادل نحو 3.65 مليارات دولار سنويًا من القيمة الإجمالية للبراميل.

أي نحو 13.7 مليار ريال.

وعند عدة ملايين من البراميل يوميًا، يصبح تغير صغير نسبيًا في السعر رقمًا كبيرًا مقارنة بكثير من بنود الإنفاق.

هذا الحساب لا يمثل الإيراد الحكومي ولا أرباح أرامكو؛ فهو يتجاهل التكاليف وفروق الأسعار والكميات المستخدمة محليًا والضرائب والتوزيعات وغيرها. لكنه يوضح لماذا يصبح تحقيق التوازن بين السعر والحجم أهم من مطاردة أحدهما منفردًا.

ماذا يعني السيناريوهان لأرامكو؟

أرامكو تدخل الخلاف من موقع مختلف قليلًا عن الدولة.

الشركة أنتجت في النصف الأول من 2026 نحو 9.1 ملايين برميل يوميًا من السوائل في المتوسط، وحققت صافي دخل معدل قدره 251.9 مليار ريال خلال الفترة.

بالنسبة إليها، تعافي الطلب العالمي يحمل فائدتين محتملتين:

زيادة الكميات القابلة للبيع، وتحسن استخدام الطاقة الإنتاجية.

أما سيناريو وكالة الطاقة فيمنح قيمة أكبر لعوامل أخرى:

انخفاض تكلفة الإنتاج، مرونة الطاقة الاحتياطية، تنوع منافذ التصدير، التخزين قرب العملاء، والتكامل بين الخام والتكرير والبتروكيماويات.

وهذا يفسر الرسالة التي تكررها الشركة حاليًا حول «المرونة».

ففي سوق عالية الطلب، القدرة الإنتاجية الإضافية تخلق قيمة عبر البيع.

وفي سوق ضعيفة، قيمتها تظهر في القدرة على اختيار توقيت الكميات والمحافظة على مركز تنافسي.

الخلاف يمتد إلى ما بعد 2027

الفارق بين المؤسستين لا بدأ مع حرب 2026.

في توقعاتها طويلة الأجل لعام 2026، ترى أوبك أن الطلب العالمي على النفط يواصل الارتفاع حتى يصل إلى أكثر من 124 مليون برميل يوميًا في 2050، وتتوقع أن يحتاج قطاع النفط إلى استثمارات تبلغ 17.7 تريليون دولار حتى ذلك التاريخ.

أما وكالة الطاقة، ففي توقعاتها متوسطة الأجل المنشورة قبل اضطرابات 2026، كانت ترى الطلب العالمي يتجه إلى منطقة استقرار قرب 105.5 ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد، مع ضغط متزايد من السيارات الكهربائية والكفاءة واستبدال النفط في توليد الطاقة.

الخلاف إذن يتعلق أيضًا بصورة العالم بعد الأزمة:

هل تحتاج الاقتصادات النامية والملاحة والطيران والبتروكيماويات إلى نفط أكثر لسنوات طويلة؟

أم أن ارتفاع الكفاءة والكهرباء والمركبات الجديدة سيجعل النمو الاقتصادي أقل ارتباطًا بزيادة استهلاك النفط؟

هذه القضية تؤثر في قرارات استثمارية بمئات المليارات، وليس في اجتماع «أوبك+» المقبل فقط.

خمسة أرقام ستحسم أي السيناريوهين أقرب

خلال الأشهر المقبلة يمكن تقليل مساحة التكهنات بمراقبة خمسة متغيرات.

الأول: المخزونات.
إذا توقف السحب وبدأت إعادة التعبئة بسرعة، فهذا يدعم فكرة الطلب المؤجل التي تركز عليها أوبك.

الثاني: استهلاك الصين.
تعافي تشغيل المصافي والديزل والبتروكيماويات سيكون من أقوى الإشارات إلى عودة الطلب الآسيوي.

الثالث: أسعار الديزل وهوامش التكرير.
بقاء الديزل عند مستويات شديدة الارتفاع يعني استمرار تدمير الطلب وضغط النشاط الاقتصادي.

الرابع: سرعة عودة إمدادات الخليج.
إذا عادت ملايين البراميل في وقت قصير، يزداد اختبار قدرة السوق على استيعابها.

الخامس: تكاليف الشحن والتأمين.
فالبرميل الموجود في الحقل لا يؤدي وظيفته الاقتصادية إذا أصبحت كلفة نقله إلى العميل عائقًا أمام التجارة.

إذن.. أي سيناريو يهم المملكة؟

كلاهما، لكن في توقيتين مختلفين.

خلال ما تبقى من 2026، سيناريو وكالة الطاقة مهم بوصفه اختبار ضغط: الأسعار المرتفعة ونقص المنتجات قد يخفضان الاستهلاك ويؤثران في الاقتصاد العالمي، حتى بينما تظل أسعار الخام قوية بسبب نقص الإمدادات والمخزونات.

أما في 2027، يصبح سيناريو أوبك أكثر أهمية للسعودية من زاوية أخرى: هل توجد سوق كافية لاستيعاب عودة البراميل؟

إذا اقترب الطلب من 108.3 ملايين برميل يوميًا، ستتاح مساحة أكبر أمام السعودية و«أوبك+» لرفع الإنتاج والاستفادة من الطاقة المتاحة دون خلق فائض كبير.

إذا بقي قرب 104.4 ملايين كما تشير وكالة الطاقة، بينما يقفز المعروض العالمي 7.7 ملايين برميل يوميًا، فستصبح إدارة الإنتاج أكثر صعوبة، وستعود معادلة حماية السعر مقابل استعادة الحصة السوقية إلى الواجهة.

ولهذا فإن الرقم الأكثر أهمية للسعودية خلال الأشهر المقبلة لن يكون عنوانًا يقول إن «الطلب ارتفع» أو «الطلب انخفض».

الرقم الحاسم سيكون:

كم بسرعة يعود الطلب مقارنة بسرعة عودة الإمدادات؟

فإذا سبق الطلبُ العرض، تستفيد المملكة من السعر والكمية معًا.

وإذا سبق العرضُ الطلب، يصبح امتلاك القدرة على إبقاء البرميل خارج السوق بالقيمة نفسها تقريبًا لامتلاك القدرة على إنتاجه.

وهنا تحديدًا تقع المسافة البالغة 3.9 ملايين برميل يوميًا بين توقع أوبك وتوقع وكالة الطاقة.

مسافة تبدو على الورق مجرد اختلاف بين نموذجين.

لكنها بالنسبة إلى أكبر مصدر للنفط في العالم، قد تحدد مقدار ما يباع، والسعر الذي يباع به، وشكل سوق النفط في 2027 كله.

تم نشر هذه المقالة أوبك ترى تعافي الطلب ووكالة الطاقة تتوقع انكماشه.. أي سيناريو يهم المملكة؟ للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.


اقرأ على الموقع الرسمي

زر الذهاب إلى الأعلى
إنضم لقناتنا على تيليجرام