
خالد محمد الدوس
فقدت الحركة الرياضية السعودية يوم الاثنين الماضي أحد أبرز رجالاتها وروادها المخضرمين، برحيل الحكم الدولي السابق (عبدالرحمن الموزان)، الذي وافته المنية عن عمر يناهز الثمانين عاماً.. وبوفاة هذا الرمز الرياضي، تُطوى صفحة من أنقى صفحات التاريخ الرياضي السعودي، صفحة رجل عاش (للقانون)، ومات وهو يحمل (سمعته) كوسامٍ لم يخدشه أحد.
بدأ فقيد الرياضة الراحل (أبو إبراهيم) -رحمه الله تعالى- مشواره لاعباً في منتصف الخمسينيات الميلادية من القرن الفائت، مع فريق أهلي الرياض (الرياض حالياً)، فعاصر بذلك البدايات الأولى لكرة القدم في مدرسة الوسطى مع المؤسس الشيخ عبد الله الزير -رحمه الله- وبقية رواد النادي العاصمي العريق، ثم اختار طريق التحكيم في زمنٍ كانت فيه صافرة الحكم مجرد اجتهادٍ بلا مرجعية.. ولا أنظمة، ولا لجان.
في تلك الأجواء، صنع (الموزان) نفسه بنفسه، حتى صار واحداً من أوائل الحكام السعوديين الحاصلين على الشارة الدولية، وواحداً من الأسماء التي مثلت التحكيم السعودي في المحافل العربية والآسيوية.
لكن أعظم ما ترك الراحل ليس الشارة ولا الألقاب، بل لقبٌ لم ينله سواه: «الحكم الشجاع». كانت ميوله معروفة، يعترف بذلك دون مواربة، ومع ذلك كانت بعض الأندية المنافسة يطلبونه حكماً لمبارياتهم الكبرى.. آنذاك..!!، لأن الجميع كانوا يعرفون قاعدة واحدة لا تتزحزح: حين يرتدي (الموزان) القميص الأسود ويحمل الصافرة، لا وجود للون «الفريق المفضل» في قلبه.
في زمنٍ صار فيه التحكيم ساحةً للشكوك والتسريبات والاتهامات المتبادلة، يصبح ذكرى رجلٍ كهذا أشبه بمرآةٍ نرى فيها ما فقدناه. كان يعترف بميوله، ويروي بضحكة صادقة كيف سجُّل في شباك الأهلي قديماً (الرياض حالياً)، لكنه لم يسمح لهذه الميول يوماً أن تلمس قراراته.
تلك المسافة النقية بين القلب والصافرة هي ما جعلته يحظى باحترام الجميع، حتى أولئك الذين كانوا يخسرون بسبب قراراته القانونية السليمة.
بعد اعتزاله، لم يغادر (الحكم الشجاع) كما كان يلقب الملعب. تحوّل إلى معلّمٍ لحكام الجيل الجديد، ينقل إليهم خبرة عقود زمنية، ويزرع فيهم ما زرعه في نفسه: أن (التحكيم أمانة) وأن السمعة أغلى من أي انتصار.
برحيله، لا نفقد حكماً فحسب، بل نفقد جزءاً من «الذاكرة الرياضية السعودية النظيفة». جيلٌ كامل من المتابعين نشأ على سماع اسمه، وعلى قصص (نزاهته) التي تُروى كأنها أسطورة، مع أنها كانت واقعاً عاشه الناس بأعينهم. وقد تشرفت بمعرفته عن كثب من خلال إعدادي للصفحات التاريخية عن الحركة الرياضية الوطنية هنا في الجزيرة وكان (أبو إبراهيم) -رحمه الله تعالى- (مرجعاً) ثرياً للباحثين والمتخصصين في حقل التاريخ الرياضي «كمصدر أولي» عاش حقبة البناء والتأسيس للحركة الرياضية في وطننا الغالي. وكان من الشخصيات الريادية المحبوبة والقريبة من رموز الحركة الرياضية بالمملكة. لما كان يتمتع به من خلق رفيع وقيم ونزاهة وأدب جم.
قد لا يُذكر اسم الرياضي المخضرم «عبدالرحمن الموزان» في نشرات الأخبار الطويلة، وقد لا تُكتب عنه المجلدات، لكنه ترك شيئاً أعظم من ذلك.. «سمعةً لم يمسّها أحد». وهذا، في زمن الرياضة الحديثة، أثمن من كل الألقاب والكؤوس.
هكذا يرحل الأب الروحي للتحكيم السعودي.. الرجل الذي صنع من العدم مدرسة، ومن الصفر (تاريخاً)، ومن اسمه (شهادةً) على أن الرياضة يمكن أن تبقى (نظيفة).
رحم الله الرياضي المخضرم «عبدالرحمن الموزان».. حكماً ومعلماً وقدوةً وأباً روحياً لجيل من الحكام الذين يسيرون اليوم على الطريق الذي مهده لهم، مدرسةً قامت على (النزاهة) قبل القانون، وعلى (المواقف) قبل (الشعارات)، وعلى (السمعة) التي لم يمسّها أحد… خالص العزاء لأبناء الفقيد الغالي (أبو إبراهيم).. سائلين الله تعالى أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته.




