
حين ارتفع كأس الخليج في جدة، كان في البيوت أكثر من عمرٍ يفرح، وأكثر من حكاية تستيقظ. رجلٌ يستعيد بطولات ظن أن الزمن أخذ معه مذاقها، وشاب بلغ العشرين يعرف أمجاد المنتخب من حديث الآخرين، وطفل يرى للمرة الأولى كيف يستطيع قميص أخضر أن يجعل أباه يقفز من مكانه.
انتهت المباراة بفوز السعودية على الإمارات بهدفين دون مقابل، وانتهى معها انتظار امتد منذ آخر تتويج خليجي عام 2004. لكن ما بدأ في تلك اللحظة يستحق أن يشغلنا أكثر مما انتهى.
الفوز يجذب الفوز ويأتي به؛ لأنه يغيّر علاقة الإنسان بما يستطيع. قبل البطولة، كان اللاعب يبحث عن دليل يطمئنه إلى قدرته، وبعدها صار يحمل هذا الدليل في ذاكرته. يعرف كيف عبر القلق، وكيف احتمل الضغط، وكيف وصل إلى منصة التتويج. هذه المعرفة ثمينة، إذا أحسنّا تحويلها من نشوة عابرة إلى خبرة يبنى عليها. فالكأس لا يفوز بالكأس الذي يليه، وإنما يفعل ذلك العمل الذي تعلّم كيف يصل إليه.
لهذا ينبغي أن نحتفل جيدًا، ثم نقرأ فوزنا جيدًا. أمامنا كأس آسيا التي غابت عن خزائننا منذ عام 1996، وتعود منافساتها المقبلة إلى أرضنا عام 2027. ثلاثون عامًا من الانتظار تجعل الطموح إليها حقًا مشروعًا، وتجعل الاستعداد لها مسؤولية أكبر. نريد أن نستثمر البطولة التي فزنا بها لنقترب من البطولة التي نشتاق إليها؛ أن نحمل الثقة معنا، ونترك الاطمئنان الزائد خلفنا.
في هذا المنتخب نواة صالحة لجيل قادر على حصد الألقاب. وهذا تقدير لما نراه، لا وعدا نحمّله للاعبين. النواة تحتاج إلى رعاية واستمرار، وإلى فرص تنافسية تصقلها، وإلى إدارة تعرف متى تشد ومتى تحتوي. ومن الإنصاف الإشادة بإدارة المنتخب والجهاز الفني على ما ظهر من تركيز وانضباط؛ وقد أشار المدرب جورجيوس دونيس بعد النهائي إلى هاتين الصفتين تحديدًا. أما ما يدور داخل غرفة الملابس فلا نراه كله، لكن تماسك الفريق في الملعب يمنحنا سببًا لتقدير العمل الذي يجري خلف أبوابه.
اللاعب يحتاج إلى نقد يساعده على أداء مهمته، وإلى حزم يصون التزامه، وإلى شعور بأن خلفه جمهورًا يريد نجاحه. الحزم والعزم والإحساس الوطني تصبح قوة حين تظهر في السلوك اليومي: في احترام الوقت، وقبول القرار، ومساندة الزميل، وأداء الدور حتى نهايته. وليس عيبًا أن يتأخر منتخب عن بطولة. البرازيل، بكل إرثها ومواهبها، انتظرت أربعة وعشرين عامًا بين لقبي كأس العالم في 1970 و1994.
واليابان، صاحبة أربعة ألقاب آسيوية، لم تفز بكأس آسيا منذ 2011. تختلف المنافسات والظروف، لكن هذه الأمثلة تذكّرنا بأن التاريخ العظيم لا يمنح صاحبه حصانة من الانتظار. العيب أن يصبح التأخر عذرًا دائمًا، أو أن نكرر الطريق نفسه ونتوقع وصولًا مختلفًا. قيمة العودة أنها تكشف إمكان التعلم، وتعيد فتح المستقبل.وجدة كانت، في معنى هذه الليلة، بطولة أخرى. للمدينة نصيب من الفرح؛ في أماكنها، وبحرها، وحفاوتها، وقدرتها على جعل الضيف يشعر أن له موضعًا فيها.
البطولة تجربة تبدأ قبل بوابة الملعب وتبقى بعد صافرة النهاية. يحمل الزائر معه طريقة استقباله، وسهولة تنقله، ومكانًا أحبّه، ووجهًا ابتسم له. وحين تلتقي المباراة الجميلة بمدينة تحسن استقبال الناس، تتسع الحكاية وتطول إقامتها في الذاكرة. هذا ما نريده في الرياض والخبر أيضًا، إلى جانب جدة، حين تستضيف المدن الثلاث كأس آسيا المقبلة.
وللفرح الرياضي حياة اجتماعية تستحق التأمل. في أيام الأندية نتوزع بين ألوان وشعارات، ونختلف حول أسماء وقرارات، ثم يأتي المنتخب فيجمع هذه الأصوات في هتاف واحد. نستعيد قدرتنا على الفرح معًا، ونكتشف أن الذي كان يجلس في الجهة المقابلة من مدرج النادي يستطيع أن يقف إلى جوارنا تحت العلم نفسه.ونتطلع الآن إلى أن تستعيد فانلة المنتخب حضورها في المدارس والحارات؛ أن يختارها الطفل لأنه عاش معها فرحة، وأن يرتديها الشاب وله فيها ذكرى تخصه، وأن يراها الكبير فيشعر بأن الحكاية التي أحبها ما زالت مستمرة. هكذا تنتقل البطولة من سجل النتائج إلى حياة الناس. تفرح البيوت والمقاهي والشوارع بكل شيء أخضر، وتصبح ليلة واحدة موعدًا مشتركًا في ذاكرة أجيال مختلفة.
في ليلة التتويج استعدنا طعمًا افتقدناه طويلًا. واليوم تبدأ مسؤولية الحفاظ عليه. نريد لهذا الفوز أن يوسّع طموحنا، ويزيد دقة عملنا، ويمنح لاعبينا وجمهورنا ثقة تستند إلى ما تحقق. فالفرح الذي يجمع الناس يستحق أن نصنع له أسبابًا جديدة، وكأس الخليج يستحق أن يكون بداية طريق إلى كأس آسيا.
الفوز يطلب الفوز ويأتي به.. حين نحتفظ بحرارة الحلم، ونمنحه كل يوم ما يحتاج إليه من عمل.
** **
– خالد الباتلي




