
هناك رقم نعرفه عن كل ملعب تقريبًا: سعته الجماهيرية. ورقم آخر يحظى باهتمام كبير: تكلفة إنشائه. لكن هناك رقمًا قد يكون أكثر أهمية اقتصاديًا، ولا نسأل عنه كثيرًا: كم يومًا في السنة يعمل هذا الملعب فعلًا؟ فالمنشأة الرياضية التي تستقبل عشرات الآلاف في ليلة المباراة، ثم تهدأ بقية الأسبوع، قد لا تعاني نقصًا في المساحة أو الإمكانات، بقدر ما تعاني نقصًا في الوقت المنتج. وهنا يتغير السؤال من: كم كلفتنا المنشأة؟ إلى: كم تنتج لنا كل يوم؟ الملعب ليس 90 دقيقة اعتدنا أن يرتبط الملعب بالمباراة: تفتح البوابات، تصل الجماهير، تبدأ المواجهة، تنتهي، ثم يغادر الجميع. لكن اقتصاديًا، لماذا تبدأ قيمة أصل ضخم مع صافرة البداية وتنتهي مع صافرة النهاية؟
يمكن للملعب في اليوم التالي أن يكون وجهة سياحية، وبعدها موقعًا لمؤتمر أو معرض، وفي نهاية الأسبوع مساحة لفعالية عائلية، وفي المساء تجربة ضيافة أو مطعمًا أو متجرًا أو متحفًا أو جولة خلف الكواليس. وهذا لم يعد تصورًا نظريًا؛ فقد طرحت وزارة الرياضة تشغيل وإدارة عدد من المنشآت الرياضية بهدف تعظيم الاستفادة منها على مدار العام، مع فرص إيرادية تشمل الضيافة والإعلانات وحقوق التسمية والفعاليات غير الرياضية وغيرها.
نحن إذن أمام انتقال مهم: من إدارة المباراة إلى إدارة الأصل. 365 فرصة.. لا عدد المباريات فقط، من هنا أقترح مفهومًا بسيطًا: «مؤشر اليوم المنتج للمنشأة» بدلًا من قياس نجاح الملعب بعدد المباريات فقط، لماذا لا نقيس عدد الأيام التي صنع فيها قيمة اقتصادية أو اجتماعية خلال العام؟ المباراة يوم منتج، والمؤتمر يوم منتج، والجولة السياحية والفعالية المجتمعية والمعرض وتجربة الضيافة كذلك. وهنا قد نكتشف أن الفرق الحقيقي بين منشأتين متشابهتين ليس في عدد المقاعد، بل في عدد الأيام التي استطاعت كل منهما تحويلها إلى قيمة.
تكلفة اليوم الصامت
نحسب عادة تكلفة التشغيل والصيانة، لكن ماذا عن تكلفة الفرصة الضائعة؟ إذا كان أصل رياضي مرتفع القيمة قادرًا على استقبال الزوار وصناعة نشاط اقتصادي، ثم بقي خارج أيام المباريات دون استخدام حقيقي، فاليوم الذي يمر ليس مجرد يوم هادئ. إنه زائر لم يأتِ، ومتجر لم يعمل، وتجربة لم تُصنع، وإيراد محتمل لم يتحقق. ولا يعني ذلك أن كل ملعب يجب أن يعمل تجاريًا 365 يومًا بلا توقف؛ فلكل منشأة متطلبات تشغيل وصيانة وطبيعة مختلفة. لكن اليوم غير المستخدم ينبغي أن يكون قرارًا مفهومًا، لا نتيجة تلقائية لغياب المباراة. من يبني الملعب.. ومن يبني اقتصاده؟ التحدي إذن أكبر من تأجير مساحات داخل المنشأة. فالملعب الحديث ينافس المطعم والمول والمسرح والوجهة الترفيهية على مورد ثمين جدًا: وقت الإنسان. لذلك يصبح السؤال في اليوم الذي لا توجد فيه مباراة: هل لدى الزائر سبب ليأتي أصلًا؟ وهل توجد تجربة تستحق أن يقضي من أجلها ساعتين أو ثلاثًا داخل المكان ثم يعود مرة أخرى؟ وهذا الاتجاه حاضر بالفعل في نماذج التشغيل الجديدة؛ فالمنصة السعودية «راديا»، التي أطلقتها «سرج للاستثمار الرياضي» بالشراكة مع Live Nation وOak View Group، تستهدف تطوير وإدارة وتشغيل وتفعيل المنشآت الرياضية والترفيهية وتسويقها تجاريًا. ومع ما تشهده المملكة من تطوير للبنية التحتية الرياضية استعدادًا للسنوات المقبلة، ربما ينبغي ألا يبدأ التفكير في اقتصاد المنشأة بعد اكتمال بنائها، بل منذ تصميمها.
فالأستاد الناجح ليس مجرد مقاعد وملعب ومواقف؛ بل أصل صُمم منذ البداية ليملك أسبابًا متعددة للزيارة والاستخدام.
رقم جديد على لوحة الأداء
ماذا لو أصبح بجانب أرقام الحضور والإيرادات وعدد الفعاليات رقم آخر: كم يومًا منتجًا حققت هذه المنشأة هذا العام؟ ثم نقيس داخله تنوع الاستخدام، وعدد الزوار خارج أيام المباريات، والإيرادات غير المرتبطة بالمباراة، والقيمة المجتمعية التي صنعتها المنشأة. عندها لن يكون الهدف تشغيل الملعب لمجرد التشغيل، بل رفع إنتاجية الأصل نفسه. فكل يوم إضافي ناجح قد يعني فرصة لمستثمر، وعملًا لمتجر أو مطعم، ووظائف وخدمات، وزوارًا جددًا، وإيرادًا لم يكن موجودًا.
الملعب بعد صافرة النهاية
المملكة تبني وتطور بنية رياضية تستعد لمرحلة استثنائية، والرهان الحقيقي لن يكون فقط في جمال المنشآت أو قدرتها على استضافة أكبر الأحداث. بل في اقتصادها بعد أن تنطفئ أضواء المباراة. فالمنشأة الذكية ليست التي تمتلئ عندما توجد مباراة فقط، بل التي تعرف ماذا تفعل بنفسها عندما لا توجد مباراة. وربما حان الوقت ألا نسأل فقط: كم مباراة استضاف هذا الملعب؟ بل: كم يومًا من أصل 365 يومًا استطاع أن يصنع قيمة؟ لأن أغلى يوم في عمر المنشأة الرياضية.. قد يكون اليوم الذي مرّ عليها دون أن يحدث فيها شيء.
** **
– د. نورة عبدالله العمراني




