
تطور الرياضة لا يُقاس فقط بعدد البطولات التي تستضيفها المملكة، أو بأسماء النجوم العالميين في ملاعبنا، أو بارتفاع الحضور الجماهيري، فالمعيار الأهم في المرحلة المقبلة يتمثل في؛ هل أصبحت الرياضة صناعة اقتصادية قادرة على إنتاج قيمة وعوائد مستدامة؟
هذا السؤال يختصر جوهر التحول الذي يشهده القطاع الرياضي في المملكة بدعم وتشجيع من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين.. حفظهما الله، فالرياضة انتقلت خلال سنوات قليلة من نشاط يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الحكومي إلى سوق تتوسع فيها الشركات والاستثمارات، وأصبحت الأندية والمنشآت والحقوق التجارية والإعلامية والرقمية أصولا قابلة للتقييم والتطوير والاستثمار.
وتبرز هنا أهمية نظام الرياضة الذي دخل حيز النفاذ في عام 2026؛ فدوره لا يقتصر على تنظيم المنافسات والكيانات الرياضية، ولكن يتعدى ذلك بحيث يؤسس للتعامل مع الرياضة بوصفها قطاعا اقتصاديا منظما كونه يتيح للأندية والاتحادات والروابط تأسيس الشركات والمشاركة فيها والاستثمار في الأصول، وينظم موضوعات مرتبطة بالاستثمار الأجنبي والاندماجات والاستحواذات وتشغيل المنشآت والأكاديميات والحقوق التجارية.
وحين يتحول النادي إلى شركة، تتغير طريقة إدارته. فلا يعود السؤال فقط: كم بطولة حقق الفريق؟ ولكن يصبح أيضاً: ما قيمة النادي؟ كم تبلغ إيراداته؟ ما حجم أصوله؟ وهل يستطيع زيادة قيمته التجارية عاماً بعد عام؟
وهنا يظهر المعنى الحقيقي للاحتراف؛ فالاحتراف ليس استقطاب أفضل اللاعبين فقط، وإنما أن تصبح المؤسسة الرياضية نفسها محترفة اقتصادياً وإدارياً واستثمارياً.
وتشير المؤشرات المتاحة إلى أن السوق السعودية تسير في هذا الاتجاه، فقد تضاعفت القيمة الاقتصادية للقطاع الرياضي خلال سنوات الرؤية، وأصبحت السوق تقدر بعشرات المليارات من الريالات، مع مستهدف يتجاوز 80 مليار ريال بحلول 2030.
ومع أهمية هذه الأرقام، فإن المؤشر الأكثر دلالة يكمن في تزايد اهتمام المستثمرين بالأندية، فعندما تتلقى الجهات المعنية عشرات طلبات الاهتمام للاستثمار والاستحواذ على أندية، فهذا يعني أن النادي بدأ ينتقل من كونه مركز تكلفة يبحث عن ممول إلى أصل استثماري يبحث عنه رأس المال.
لكن نجاح التخصيص يتطلب ألا نتعامل مع جميع الأندية بالنموذج نفسه، فهناك أندية ذات جماهيرية واسعة وعلامة تجارية قوية، وأخرى ترتبط أكثر بمجتمعها المحلي، وهناك أندية تملك منشآت أو أصولا قابلة للتطوير، وأخرى تكمن قيمتها في أكاديمياتها أو قدرتها على صناعة المواهب.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم تبلغ قيمة النادي؟ ولكن: أين تكمن هذه القيمة وكيف يمكن تنميتها؟
كما أن الاستثمار الرياضي أوسع من ملكية الأندية. فالحقوق الإعلامية والرقمية، والرعاية، والتذاكر، والضيافة، والمنتجات المرخصة، والمنشآت، والأكاديميات، والتقنيات الرياضية جميعها مجالات قادرة على خلق عوائد مستقلة.
فالملعب الذي يفتح ساعتين يوم المباراة هو منشأة تشغيلية، أما الملعب الذي يعمل طوال الأسبوع عبر المطاعم والمتاجر والمتاحف والفعاليات وحقوق التسمية والضيافة، فهو أصل اقتصادي منتج.
والأمر ذاته ينطبق على الأكاديميات؛ فهي لا ينبغي أن تكون بند تكلفة فقط، ولكن يمكن أن تتحول إلى مصنع للمواهب والقيمة، سواء عبر دعم الفريق الأول أو تطوير لاعبين قابلين للنمو والانتقال.
ويتسع الاقتصاد الرياضي أيضاً خارج كرة القدم، فهناك فرص متزايدة في الرياضات الإلكترونية والجولف والتنس والفروسية والرياضات القتالية والبحرية، إضافة إلى السياحة الرياضية التي ستتضاعف أهميتها مع استضافة المملكة للأحداث الكبرى وصولاً إلى كأس العالم 2034. فالزائر الرياضي لا يشتري تذكرة فقط، ولكن ينفق على الطيران والإقامة والنقل والمطاعم والتسوق والترفيه، ما يجعل أثر الرياضة يمتد إلى قطاعات متعددة في الاقتصاد.
لقد نجحت المملكة في صناعة زخم رياضي عالمي لافت، أما المرحلة المقبلة فهي مرحلة تحويل هذا الزخم إلى اقتصاد أكثر عمقاً واستدامة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال من: كم أنفقنا على الرياضة؟
إلى: كم صنعت الرياضة من قيمة جديدة للاقتصاد؟
** **
– بقلم د. فهد التخيفي




