
ثلاث سنوات كانت كافية لتتغير ملامح كرة القدم السعودية بصورة لم يكن يتوقّعها أكثر المتفائلين. دخلت أسماء عالمية، ارتفعت قيمة الدوري، تضاعف الاهتمام الخارجي، تغيَّرت طموحات الأندية والجماهير، وأصبحت ملاعبنا وجهة لنجوم كانوا قبل سنوات جزءاً من المشهد الأوروبي البعيد عنا.
واليوم، مع إعلان نقل ملكية النسبة المتبقية من شركات الهلال والنصر والاتحاد والأهلي إلى صندوق الاستثمارات العامة، ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا سيحدث لهذه الأندية؟ وإنما: ماذا حدث لكرة القدم السعودية نفسها بعد ثلاث سنوات من المشروع؟
لقد صرفنا كثيراً، واستقطبنا كثيراً، ورفعنا سقف التوقعات إلى مستوى غير مسبوق. لكن بعد أن هدأ وهج المفاجأة الأولى، يحق لنا أن نسأل بعيداً عن لغة الاحتفاء أو جلد التجربة: ماذا كسبنا فعلاً؟ ماذا خسرنا؟ ومن نجح في استثمار الفرصة، ومن اكتفى بإنفاقها؟
لا شك أننا كسبنا حضوراً لم يكن متاحاً من قبل. أصبح الدوري السعودي معروفاً عالمياً، وارتفعت جودة اللاعبين والأجهزة الفنية، وتحسنت بعض التفاصيل الاحترافية داخل الأندية، وتغيَّرت نظرة اللاعب الأجنبي إلى القدوم للسعودية. والأهم أن كرة القدم السعودية اختصرت سنوات طويلة في بناء اسمها داخل سوق كرة القدم العالمية. لكن مقابل ذلك صنعنا واقعاً جديداً ستكون إدارته أصعب من صناعته.
لقد ارتفعت تكلفة كرة القدم السعودية كلها، وليس تكلفة الأندية الأربعة فقط. تضخمت رواتب اللاعبين، وارتفعت قيمة الصفقات، وزادت مطالب الوكلاء، وأصبح اللاعب المتوسط الذي كان يمكن التعاقد معه برقم معقول ينظر إلى الدوري السعودي باعتباره سوقاً مرتفعة الأسعار. حتى الأندية التي لم تكن جزءاً من موجة الإنفاق الكبرى أصبحت تدفع فاتورتها. وهذه واحدة من أهم القضايا التي يجب أن نناقشها اليوم: من سيتحمَّل تضخم السوق الذي صنعناه؟
حين تعتاد الجماهير على أسماء عالمية، وتعتاد الأندية على ميزانيات ضخمة، ويعتاد اللاعبون والوكلاء على عقود مرتفعة، يصبح تخفيض الإنفاق لاحقاً عملية مؤلمة. وربما تكون السنوات المقبلة أصعب من السنوات الثلاث الماضية؛ لأن جلب النجوم كان يحتاج للمال، بينما إدارة ما بعد النجوم تحتاج لفكر واقتصاد وإدارة أكثر صرامة. وهناك سؤال فني لا يقل حساسية: هل شاهدنا في المقابل كرة قدم توازي كل ما دفعناه؟
شاهدنا مباريات كبيرة بلا شك، ورأينا لاعبين عالميين صنعوا الفارق، لكننا أيضاً شاهدنا مباريات عادية جداً رغم وجود أسماء وقيم سوقية ضخمة. واكتشفنا أن جمع النجوم لا يصنع تلقائياً مباراة عالمية، مثلما أن ارتفاع القيمة السوقية للدوري لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة منتجه بالمقدار نفسه. وهنا ربما أخطأنا في جزء من الاستقطاب.
فقد تعاملنا أحياناً مع الاسم العالمي باعتباره قيمة بحد ذاته، بينما التجربة أثبتت أن الفارق كبير بين لاعب عالمي يأتي ليضيف إلى الدوري، ولاعب عالمي يأتي وقد ترك أفضل سنواته خلفه. بعض الصفقات كانت مؤثِّرة فنياً وجماهيرياً وتسويقياً، وبعضها أخذ من المشروع أكثر مما أعطاه. لذلك كان يمكن أن نكون أكثر انتقائية بدلاً من عدد كبير من الأسماء، ربما كان الأجدى عدد أقل، بجودة أعلى، وأعمار أفضل، ودوافع رياضية أكبر. لاعب في الخامسة والعشرين يريد أن يصنع مستقبله معنا قد يكون للمشروع أكثر قيمة من اسم تاريخي يأتي ليقضي موسمين في نهايات مسيرته.
وفي خضم كل ذلك، أين اللاعب السعودي؟
هذه القضية يجب ألا تضيع وسط بريق الأسماء. صحيح أن اللاعب المحلي تدرب واحتك بنجوم ومدربين عالميين، لكن الاحتكاك وحده لا يصنع لاعباً. اللاعب يحتاج لأن يلعب، ويخطئ، ويتحمَّل مسؤولية المباراة. ومع زيادة عدد الأجانب وارتفاع جودتهم، تقلَّصت في بعض المراكز المساحة المتاحة أمام اللاعب السعودي. وبعد ثلاثة أعوام، يجب أن يكون لدينا سؤال بسيط وقاسٍ: كم لاعباً سعودياً جديداً صنعته هذه المرحلة؟
ليس كم لاعباً تدرب بجانب نجم عالمي، وإنما كم لاعباً أصبح أفضل بوضوح؟ كم موهبة تحولت إلى لاعب دولي؟ وكم لاعباً أصبح قادراً على الانتقال إلى دوري أوروبي قوي؟ لأن نجاح الدوري السعودي لا يمكن أن يأتي على حساب المنتخب السعودي. كذلك لا يمكن تقييم المشروع من خلال الأندية الأربعة وحدها. التضخم الذي أحدثته الأندية الكبرى انعكس على الجميع. أصبحت الأندية الأخرى مطالبة بالمنافسة في سوق لم تسهم في صناعة أسعارها، وارتفعت تكلفة اللاعب والمدرب والتعاقدات والتشغيل. وهنا تظهر خطورة أن نملك أربعة أندية قوية جداً، بينما تكافح بقية الأندية حتى تبقى قريبة منها.
الدوري القوي لا تصنعه أربعة أندية فقط، رغم قدوم أندية شركات كبرى كالقادسية والدرعية. الدوري القوي يحتاج إلى مباراة لا تعرف نتيجتها قبل أن تبدأ، وإلى نادٍ متوسط يستطيع هزيمة الكبير، وإلى مواهب تظهر من كل مدينة، وإلى اختلاف في نماذج الأندية بدلاً من انتظار الجميع للدعم نفسه. ومع ذلك، لا ينبغي أن نقسو على التجربة. لقد كسبنا شيئاً كان الحصول عليه يحتاج ربما إلى عشرين عاماً: انتباه العالم.
المشكلة أن الانتباه العالمي سريع الحركة. جاء جزء منه من أجل رونالدو وبنزيما ومحرز وكانتي وغيرهم، وهذه حقيقة وليست عيباً. لكن التحدي أن يأتي اليوم الذي يرحلون فيه ويبقى المشاهد. لأن رونالدو سيرحل يوماً، وبنزيما سيرحل، وستتغيَّر الأسماء مهما كانت كبيرة، وستهدأ ضجة الاستقطابات. وعندها لن يسأل العالم من لعب عندكم؟ سيكون السؤال الأكثر قسوة: ماذا بقي في كرة القدم السعودية بعدما رحلوا؟ إذا بقي دوري قوي، وأندية مستقلة مالياً، ولاعب سعودي أفضل، وأكاديميات تنتج، ومنتج تلفزيوني يُباع عالمياً، ومدرجات ممتلئة، وأندية تعرف كيف تحقق إيراداتها وتنفقها، فسنقول إن المليارات لم تشترِ لاعبين فقط؛ لقد بنت صناعة. أما إذا احتجنا في كل مرة إلى موجة إنفاق جديدة حتى نحافظ على الاهتمام نفسه، فعلينا حينها أن نعترف بأننا صنعنا حدثاً كبيراً.. ولم نصنع بعد كرة القدم التي تستطيع أن تعيش بعده.
لا بد أن ينتقل الجمهور من متابعة اللاعب إلى متابعة النادي، ومن متابعة النادي إلى متابعة الدوري، ومن الفضول تجاه التجربة السعودية إلى الارتباط بمنتج كرة قدم سعودي. وهنا تبدأ المرحلة الأصعب. فالسنوات الثلاث الأولى كانت سنوات الاستقطاب، أما السنوات المقبلة فيجب أن تكون سنوات العائد. عائد اقتصادي في إيرادات الأندية. وعائد فني في جودة الدوري. وعائد وطني في اللاعب السعودي. وعائد استثماري في أصول الأندية وقيمتها. وعائد جماهيري يجعل المدرجات والاشتراكات والنقل والرعاية جزءاً حقيقياً من اقتصاد اللعبة. وعائد معرفي يجعل أنديتنا تعرف كيف تدير نجوماً كباراً، لا كيف تدفع لهم فقط.
ربما حان الوقت أيضاً لتغيير السؤال في كل فترة انتقالات. بدلاً من: من النجم القادم؟ يصبح السؤال: لماذا نحتاجه؟ وماذا سيضيف؟ وماذا سيبقى بعد رحيله؟ نحن لا نحتاج كل صيف إلى عشرين اسماً عالمياً حتى نثبت أن مشروعنا مستمر. نحتاج إلى صفقات أقل وأكثر ذكاء، وإلى الاستثمار في الأكاديميات والمواهب والبنية الإدارية والتسويق وصناعة المحتوى وتجربة المشجع، وإلى أندية تعرف كيف تزيد دخلها قبل أن تزيد مصروفاتها.
لقد نجحت المرحلة السابقة في رفع السقف، لكنها تركت لنا مهمة أصعب: كيف نحافظ عليه دون أن نظل ندفع ثمن رفعه كل عام؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي للمشروع. فبعد سنوات، لن تكون القضية كم نجماً عالمياً ارتدى قمصان أنديتنا، ولا كم بلغت القيمة السوقية للدوري في ذروتها. القيمة الحقيقية ستكون فيما بقي بعد ذلك كله.
إذا خرجنا بدوري أقوى، ولاعب سعودي أفضل، وأندية أكثر احترافاً، وإيرادات أكبر، وجمهور عالمي مستمر، وسوق أكثر عقلانية؛ فقد نجحت التجربة حتى لو انخفض الإنفاق. أما إذا ارتبطت قوة الدوري بحجم ما ندفعه فقط، وأصبح كل انخفاض في الدعم يعني انخفاضاً في الجودة والاهتمام، فسنكتشف أننا رفعنا سعر كرة القدم السعودية أكثر مما رفعنا قيمتها. وبين السعر والقيمة ستكون حكاية المرحلة المقبلة كلها.
** **
– خالد الباتلي




