
محمد البهيدل
تتوالى في ملاعبنا الكروية تلك المشاهد التي تتجاوز في أبعادها الخطوط البيضاء للمستطيل الأخضر، لتلامس بدقة بالغة النسيج الإنساني والأخلاقي للرياضة. وما جرى مؤخراً مع محترف نادي الهلال، النجم البرتغالي روبن نيفيز، في معقل نادي التعاون، بمدينة بريدة يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية تحول الأجواء التنافسية إلى مسرح لمحاكمات عاطفية وإعلامية غير عادلة، أثارت جدلاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين التشجيع المثير والروح الرياضية السامية.
سياق الأزمة: حين يتداخل الوجدان الإنساني بالرياضة
بدأت فصول الحكاية حين توجهت بعض جماهير الحاضرة بمدرج نادي التعاون لهتافات استفزازية استهدفت الوتر الحساس في وجدان اللاعب، متخذة من اسم صديقه المقرب جوتا الذي رحل عن الدنيا اثر حادث مروري أليم، مادة للضغط النفسي وتأجيج مشاعره. وكأي إنسان يواجه استحضار ذكرى عزيز فقدَه، انعكس هذا الفعل بوضوح على الحالة النفسية لنيفيز، الذي وجد نفسه مجبراً لتوجيه بعض الرسائل من ارض الملعب بإيماءات وإشارات تبين امتعاضه وتذكرهم بان الله يرى ويسمع كل شيء وعقب اللقاء على التعليق بحرقة واضحة لبعض الإعلاميين، مبدياً دهشته وتعجبه من سلوكيات أشخاص يربطون بين هتافات استفزازية ومشاعر الموت والفقد وأن من قام بهذا الأمر عليه أن لايصلي حسب فهمه وحسب ثقافته غير الإسلامية. إلا أن العجيب حقاً لم يكن تصريح اللاعب بحد ذاته، بل الحملة الممنهجة التي تبعته؛ حيث سارع بعض المتصيدين لتحريف كلامه بصورة صارخة ومجافية للحقيقة، مدعين -زوراً- أنه طالب المسلمين بعدم الذهاب للصلاة! وهو اتهام باطل يهدف إلى تأليب الرأي العام وخلق أزمة وهمية، في وقت كان فيه نيفيز يدافع عن حقه الإنساني البحت في الاحتفاظ بخصوصية أحزانه وذكرياته.
ردود الفعل: بين مطالبات العقاب وإنصاف العقل
شهدت الساحة الرياضية والإعلامية إثر ذلك انقساماً واجتياحاً لردود الفعل المتباينة؛ فريق طالب بحازم العقوبات ضد الجماهير التي تجاوزت الميثاق الأخلاقي للتشجيع وتلاعبت بمشاعر لاعب يمر بظروف إنسانية خاصة، وفريق آخر -أشبه بمحاكم التفتيش- نادى بمعاقبة نيفيز نفسه بناءً على التأويلات المغرضة لتصريحه. وهنا تبرز السطحية في الطرح، فالمقارنة بين من ينتهك القيم الإنسانية للتشجيع النظيف ومن يعبر عن ألمه الإنساني بصدق وعفويّة هي مقارنة ظالمة ومختلة المعايير. لقد أثبتت هذه الحادثة أن بعض المنصات الإعلامية والجماهيرية باتت تبحث عن الإثارة الرخيصة على حساب القيم الأساسية التي تقوم عليها المنافسة الشريفة.
الوفاء الأزرق: رسالة الوفاء من المملكة أرينا
وفي خضم هذه العاصفة المصطنعة، جاء الرد الهلالي الرصين والمفعم بالمعاني السامية ليعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي. فقد شهد معترك بطولة النخبة الآسيوية مواجهة الهلال أمام الغرافة القطري على أرض ملعب «المملكة أرينا»، والتي حسمها الزعيم مستوىً ونتيجة بهدفين لهدف. ولم تكن تلك الليلة عادية، إذ لفت الانتباه ذلك التيفو الاستثنائي والخاص الذي رفعته الجماهير الهلالية في الدقيقة الثامنة، تيمناً برقم قميص نيفيز، لتوصل رسالة بليغة تفيد بأن الكيان الأزرق وجماهيره العريضة يقفون صفاً واحداً خلف لاعبهم، حمايةً لكرامته وثباتاً في وجه الحملات المغرضة. لقد جسد هذا التيفو المعنى الحقيقي للأسرة الرياضية الواحدة التي تحتضن نجومها في محنهم وفرحهم على حد سواء.
خاتمة: نحو رياضة تنبض بالإنسانية
إن قضية روبن نيفيز ليست مجرد زوبعة عابرة في فنجان الدوري، بل هي اختبار حقيقي لمدى نضجنا الرياضي والأخلاقي. إننا بحاجة ماسة إلى تنقية ملاعبنا من الشوائب السلوكية، وإيقاف تلك المحاكمات الإعلامية الوهمية التي تسعى لاغتيال الشخصيات الرياضية بالباطل.
وهذا بالفعل ماقام به اتحاد القدم ممثلاً بلجنة الانضباط بإيقاع العقوبة المستحقة على نادي التعاون بحرمانه من حضور جماهيره على ارضه كرادع اجتماعي للحد من تلك التصرفات التي تمس إنسانية وآدمية اللاعبين مهما كانت دياناتهم وثقافاتهم. فكرة القدم قبل أن تكون ألقاباً وبطولات، هي أخلاق ومواقف وإنسانية، وفي مقدمتها احترام مشاعر الآخرين وتقدير إنسانيتهم.




