مسؤول أممي: العنف الجنسي سلاح حرب في السودان يطال بناء السلام ومستقبل أطفال الضحايا

توندراي تشيكوهوا، كبير المستشارين في مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع.
وفي حوار مع أخبار الأمم المتحدة قال تشيكوهوا إن العنف الجنسي في السودان “ظاهرة واسعة الانتشار، ويُستخدم بشكل ممنهج كسلاح حرب”، ويعد من أكثر القضايا التي تواجه السودان تدميرا وإيلاما.
وأوضح أن “ما نشهده اليوم من حيث النطاق الهائل والدمار الذي يخلفه العنف الجنسي، ليس بالأمر الجديد، بل طالما كان نمطا منهجيا وسمة ملازمة للنزاع في السودان لأكثر من عقدين من الزمن، وتحديدا منذ اندلاع النزاع في دارفور، وتستخدمه القوات والجماعات المسلحة في كل منطقة متأثرة بالنزاع “.
ولفت كذلك إلى أن نطاق العنف الجنسي اتسع في السنوات الأخيرة ليتجاوز مناطق النزاع المسلح، حيث كان جليا في خضم أعمال العنف السياسي التي شهدتها العاصمة الخرطوم.
وقال إن العنف الجنسي شكل جزءا من ترسانة القمع السياسي، مستهدفا تحديدا المتظاهرين، وعلى وجه الخصوص المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطات السياسيات.
“قمة جبل الجليد”
المستشار في مكتب الممثلة الخاصة قال إن المكتب تلقى معلومات تحققت منها الأمم المتحدة بشأن وقوع أعمال عنف جنسي في مناطق عدة في السودان بما فيها ولايات الجزيرة وكسلا والقضارف وسنار، وولايتا شمال وجنوب كردفان، وولايات شمال وغرب وجنوب دارفور.
ونظرا لمحدودية وصول مراقبي الأمم المتحدة إلى مناطق النزاع، فإن المعلومات المتاحة بشأن العنف الجنسي تظل محدودة للغاية، كما أوضح تشيكوهوا الذي قال: “يمكننا أن نفترض أن ما بين أيدينا لا يمثل سوى قمة جبل الجليد”.
وأضاف أنه “للأسف، يتم استخدام العنف الجنسي من قبل جميع أطراف النزاع”. وأشار إلى أنه في حين يصعب أحيانا تحديد المسؤولية بدقة عن أعمال العنف الجنسي، “فمن الواضح أن هذا العنف يعد جزءا من جملة الأساليب المتبعة على وجه الخصوص من جانب قوات الدعم السريع”.
وأفاد تشيكوهوا بأن السلطات السودانية قد أقرت بوجود هذه المشكلة، مضيفا: “من المهم جدا أن الحكومة وقعت إطارا للتعاون مع الأمم المتحدة لمنع العنف الجنسي في حالات النزاع، وذلك عقب زيارة قامت بها الممثلة الخاصة في عام 2025. ويُعد هذا الإطار بمثابة وعد للناجيات والناجين بتنفيذ تدابير وقائية للحد من هذه الجريمة”.
أنماط الانتهاكات
وحدد المسؤول الأممي مجموعة من أنماط الانتهاكات التي يرتكبها الجناة في سياق العنف الجنسي في السودان، وتشمل:
🔹الاغتصاب الفردي والجماعي، الذي غالبا ما يكون مصحوبا بوحشية شديدة وإصابات جسدية.
🔹اختطاف النساء والفتيات بغرض الاستعباد الجنسي والزواج القسري.
🔹إكراه النساء والفتيات على الحمل قسرا، وذلك كجزء من البعد العرقي للنزاع.
وقال تشيكوهوا أيضا: “يشكل العنف الجنسي جزءا من الاقتصاد السياسي للحرب. ولا يسعنا التقليل من خطورة النظرة التي تتعامل بها الجماعات المسلحة مع النساء والفتيات، وكيفية استخدامهن باعتبارهن غنائم حرب؛ إذ يُستخدمن كحافز لتشجيع تجنيد الشباب من خلال الوعود بتزويجهم أو منحهم سبايا لأغراض جنسية، أو باعتبارهن سلعا يُتاجر بها مقابل المال أو الأسلحة”.
أدى اندلاع الحرب في السودان قبل ثلاث سنوات إلى أخطر أزمة إنسانية وأزمة حماية في العالم للنساء والفتيات.
النزوح والعنف الجنسي
المستشار في مكتب الممثلة الخاصة تحدث عن العلاقة بين أزمة النزوح وانتهاكات العنف الجنسي، حيث “لا يمكن فصل المسألة الأوسع المتعلقة بأزمة النزوح عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب بهدف دفع الناس وإجبارهم على ترك أراضيهم”.
وقال في هذا الشأن: “نعلم أن السكان النازحين – الذين تشكل النساء والأطفال غالبيتهم العظمى – معرضون بشدة للعنف الجنسي في جميع مراحل النزوح”.
وأضاف: “يُستخدم العنف الجنسي كوسيلة لتهجير الناس في المقام الأول؛ ولذا توجد حالة من الهشاشة والضعف الشديدين في تلك المرحلة من الصراع والاشتباك. وبينما تفر النساء والفتيات من منازلهن ومن الأطر الحمائية التي توفرها لهن عائلاتهن ومجتمعاتهن، فإنهن يصبحن عرضة للخطر مجددا أثناء رحلة الفرار”.
وقال تشيكوهوا إنه بعد ذلك تأتي مرحلة مخيمات النزوح حيث “غالبا ما يواجهن مخاطر جسيمة داخل مخيمات النزوح مترامية الأطراف – مثل مخيم أبو شوك وغيره في دارفور- حيث تكون الأوضاع الأمنية غير مستقرة؛ كما يتعرضن للاستهداف أيضا عند مغادرتهن المخيمات لممارسة أنشطة كسب العيش”. وشدد على أن هناك صلة واضحة بين سبل العيش والأمن الاقتصادي، وبين مدى التعرض لخطر العنف الجنسي.
ولفت إلى أنه رغم أن العنف الجنسي يطال النساء والفتيات بشكل أساسي، إلا أن الرجال الفتيان، لم يسلموا منه أيضا.
وأشار إلى عدد من الأنماط في هذا الصدد، بما في ذلك “العنف الجنسي في سياق الاحتجاز، واستهداف الرجال والفتيان بالاغتصاب وغيره من أشكال التعذيب ذي الطابع الجنسي في تلك السياقات؛ حيث يُستخدم ذلك بغرض الإذلال والعقاب، وكوسيلة للاستجواب لانتزاع المعلومات”.
تأثير طويل الأمد
وفيما يتعلق بالعواقب والتبعات المباشرة للعنف الجنسي، حذر المسؤول الأممي من الآثار الصحية المدمرة، مشيرا إلى أن حوادث الاغتصاب غالبا ما تكون مصحوبة بوحشية جسدية مفرطة، مما يخلق حاجة ماسة لتدخلات طبية طارئة، فضلا عن تفاقم انتشار الأمراض المعدية مثل فيروس نقص المناعة البشرية.
وحذر من أنه على المديين المتوسط والبعيد، هناك تداعيات تؤثر على إمكانية تحقيق سلام دائم، مضيفا: “عندما يُرتكب العنف الجنسي ضد أفراد عائلتك – بمن فيهم الأطفال الصغار- فإن احتمالية العيش بسلام مع مرتكبي هذه الجرائم تصبح أمرا يزداد صعوبة وتعقيدا شيئا فشيئا”.
وأشار تشيكوهوا أيضا إلى أن “تحديا كبيرا آخر” يتمثل في قضية آلاف الأطفال الذين وُلدوا نتيجة للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات في السودان.
وأضاف أن هؤلاء الأطفال غالبا ما يفتقرون إلى الوضع القانوني والهوية نظرا للعجز عن إثبات نسبهم، كما يواجهون الإقصاء والتهميش لكونهم يُنظر إليهم على أنهم “أبناء العدو”، وبدورهم، قد يتحول هؤلاء الأطفال والشباب إلى أرضية خصبة لتجنيد الجيل القادم من المقاتلين في الجماعات المسلحة.
طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات تتلقى العلاج من سوء تغذية حاد وشديد في مستشفى بمدينة طويلة في إقليم دارفور بالسودان.
مواجهة الإفلات من العقاب
المسؤول الأممي أكد أن الإفلات من العقاب هو المحرك الرئيسي لهذه الجرائم.
وذكر تشيكوهوا أن جزءا جوهريا من العمل الذي يضطلع به مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في النزاع ينصب على العدالة والمساءلة، وذلك من خلال تعزيز سيادة القانون من أجل التصدي لهذه الجرائم. ويشمل ذلك دعم المؤسسات الوطنية والأطر القانونية، لا سيما المؤسسات القضائية وأجهزة تنفيذ القانون.
وأشار إلى أن هذا يمثل جانبا محوريا في إطار التعاون القائم بين الأمم المتحدة والسلطات الوطنية بغية منع العنف الجنسي ومعالجته.
غير أنه أقر بأن النزاع المستمر يقوض كافة الجهود الرامية إلى تعزيز المؤسسات القضائية ومكافحة الإفلات من العقاب على جرائم العنف الجنسي.
وتحدث عن الجهود التي يبذلها المكتب لحشد أدوات أخرى “حاسمة وفعالة” تملكها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما في ذلك استخدام العقوبات وغيرها من التدابير الموجهة.
وأشار إلى أنه “من الأمور ذات الدلالة، على سبيل المثال، أن لجنة العقوبات الخاصة بالسودان تتضمن الآن معايير محددة لإدراج الأسماء على قوائم العقوبات استنادا إلى ارتكاب العنف الجنسي، مما يبعث برسالة واضحة إلى الجناة مفادها أن ارتكاب أعمال العنف الجنسي أو إصدار الأوامر بها سيترتب عليه حتما تكاليف وعواقب”.
وقال تشيكوهوا إن الأمين العام للأمم المتحدة يمتلك أيضا تفويضا بإدراج أسماء الجناة في تقاريره السنوية، وذلك بهدف إخضاعهم لمزيد من التدقيق والضغط.
إحدى العاملات الصحيات التابعات لصندوق الأمم المتحدة للسكان تتحدث مع نساء وأطفال في عيادة متنقلة بمخيم أبو النجا للنازحين في السودان.
صمود رغم اليأس والقنوط
ووسط تلك الانتهاكات التي تطال الجميع في خضم الصراع المستمر، أكد المسؤول الأممي أن الأولوية الرئيسية للممثلة الخاصة تتمثل في تبني “نهج يرتكز على الناجين”، ويستهل خطواته بإشراك الناجين من العنف الجنسي بفاعلية.
ومضى قائلا: “من خلال الاجتماعات التي يعقدها المكتب مع الناجين ومجموعات المجتمع المدني السوداني، يتضح وجود حالة من اليأس والقنوط إزاء تفشي العنف الجنسي واستمراره بلا هوادة، رغم الإدانات الدولية والوعود بألا يتكرر ذلك أبدا”.
لكنه أضاف أنه “مع ذلك، فإننا نشهد في الوقت ذاته صمودا مذهلا لدى الناجين، وشجاعة وعزما راسخا منهم لضمان أن تصل أصواتهم إلى مسامع الجميع”.
وشدد المسؤول الأممي على الضرورة الملحة لإبقاء ملف السودان حاضرا على الأجندة الدولية وسط العديد من الأزمات العالمية الأخرى، ولإبقاء الأضواء مسلطة على مرتكبي أعمال العنف الجنسي.
مسؤول أممي: العنف الجنسي سلاح حرب في السودان يطال بناء السلام ومستقبل أطفال الضحايا المصدر:










