
بشاير الشريدة
هناك فرق بين أن تهتف ضد لاعب، وأن تنبش في أوجاعه. وفرق أكبر بين مدرج يحاول التأثير على خصمه، ومدرج يستدعي اسم ميت يعرف تمامًا أنه يوجع من أمامه.
ما حدث مع روبن نيفيز في مواجهة التعاون والهلال لا يمكن اختزاله في عبارة «استفزاز جماهيري»، ولا يمكن تمريره باعتباره جزءًا من أجواء كرة القدم. حين يتردد اسم ديوغو جوتا أمام نيفيز بهذه الطريقة، فإن المسألة تتجاوز حدود المدرج وتصل إلى منطقة إنسانية لا ينبغي أن تكون جزءًا من أي مباراة.
جوتا بالنسبة لنيفيز لم يكن مجرد زميل منتخب أو اسم عابر في مسيرته. كان صديقًا قريبًا، وفقده ترك أثرًا واضحًا عليه. ولهذا فإن استدعاء اسمه من أجل استفزاز نيفيز لا يدخل في باب المنافسة، بل يخرج منها تمامًا.
التشجيع له أدوات كثيرة. الصافرات، الضغط، الهتاف ضد الخصم، السخرية من نتيجة، من بطولة، من مستوى، من لقطة داخل الملعب. كل ذلك مفهوم في كرة القدم، بل هو جزء من حدتها وجمالها. لكن حين يعجز الهتاف عن البقاء داخل المستطيل الأخضر، فيذهب إلى المقبرة بحثًا عن وسيلة تأثير، فهنا يجب أن نتوقف. ليس كل ما يوجع الخصم مباحًا. وليس كل ما يثير غضبه يُسمى تشجيعًا. هناك أشياء لا يجب أن تتحول إلى مادة مدرجات، مهما بلغت حدة المنافسة، والموت في مقدمتها.
المفارقة أن الهلال لم يحتج إلى رد من النوع نفسه، ولم يحتج إلى الدخول في سجال مع المدرج. الرد جاء من الملعب. ستة أهداف كانت كافية لإنهاء كل جدل كروي، لكن الجدل الأخلاقي بقي مفتوحًا.
وقد يغضب نيفيز، وقد يلتفت إلى المدرج، وقد يفقد هدوءه للحظات، لكن ذلك لا يغير أصل الحكاية. فاللاعب المحترف مطالب بتحمل الضغط الكروي، لكنه ليس مطالبًا بأن يتعامل مع فقده الشخصي وكأنه جزء من اللعبة.
من هنا، فإن الواجب لا ينتهي عند استنكار المشهد أو وصفه بأنه غير لائق. المطلوب أن تنظر لجنة الانضباط والأخلاق في الواقعة بشكل واضح، وأن تتحقق من الهتافات وسياقها، وأن تطبق العقوبة المناسبة إذا ثبت أن المقصود منها كان استهداف اللاعب من بوابة صديقه الراحل.
لأن التساهل في مثل هذه المواقف لا ينهيها، بل يشرعن تكرارها. اليوم اسم جوتا. وغدًا قد يكون اسم أب، أو أم، أو أخ، أو ابن، أو مأساة شخصية تخص أي لاعب في أي نادٍ.
وحين تصبح الحياة الخاصة والموت والفقد أدوات ضغط جماهيري، فلن يبقى هناك خط فاصل بين المنافسة والتجريح. الدوري السعودي يطمح أن يكون بين أقوى دوريات العالم، وهذه المكانة لا تُبنى فقط بالنجوم والصفقات والملاعب، بل أيضًا باللوائح التي تحمي اللعبة من الانزلاق إلى ما هو خارجها. فالمدرج يمكنه أن يكون شرسًا دون أن يكون مؤذيًا. ويمكنه أن يهزم خصمه معنويًا دون أن يمد يده إلى قبر. أما حين يصبح الوصول إلى اللاعب عبر ميتٍ يحبه، فهذه ليست قوة مدرج. هذا تجاوز. وتجاوز لا يُغتفر.




